قد يتفجر في رأسك أحياناً: (لماذا لا ينقذني ربي من كل هذا الكم من المعاناة والألم؟)..
في
ظل هذا القدر من الكوارث الطبيعية والأحداث الدامية والحروب والمجاعات،
يثور السؤال عن السر الذي من أجله يترك الله تعالى الأشخاص الطيبين والأناس
الأبرياء يعانون.
والذي
يغيب عن ذهنك سواء فيما يتعلق بحياتك الشخصية أو بالواقع العام المحيط بك
هو أن الله تعالى لا يدبر هذا الكون وفق منظور عباده اللحظي القاصر غير
المحيط بالماضي والمستقبل وغير الملمّ بكل التفاصيل والحقائق، وإنما الله
العليم الحكيم عندما يقدر الأقدار ويدبر الأمر فإنه إنما يفعل ذلك عن كمال
القدرة وطلاقة الحكمة.
بناء على استحضار هذه الحقائق فإن الله تعالى لا يقدر علينا البلاءات والمصائب من أجل تعذيبنا أو إصابتنا بالعنت قال تعالى "ولو شاء الله لأعنتكم" وقال تبارك في علاه "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج"،
ولكن إذا لم تكن هذه الحياة تحمل المعاناة والمخاوف والآلام والأحزان فكيف
كان سيمكننا أن نرقب فجر السعادة ولذة الأمان وفرحة الإحساس بالعافية
والتفاؤل وراحة البال.
إن
الله تعالى إذا قدّر أن يطول بك البلاء والمعاناة فإن هذا الطول ليس سوى
ما يصوره لك عقلك القاصر عن إدراك الحقيقة، أما في عالم الله تعالى فإنه
ولأنه هو المقدم المؤخر فإن كل ما يقدره من أقدار ويشاء من أحداث موقوت
بأقل من الثانية بكثير فلا يمكن أن يتأخر قدره عن الموعد المحدد المرسوم
والله تعالى كما أخبر الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام (لا يعجل لعجلة أحدكم). رواه البيهقي
لولا
البلاء لما تجلت أهمية منح الله لنا حرية الاختيار، فمن خلال هذا البلاء
وتلك الشدائد تتباين ردود أفعالنا واستجابتنا فمنّا من يستخدم إرادته الحرة
واختياره في إدخال السعادة على قلوب الآخرين وحمل الأعباء عن كاهلهم
وتقديم العون لهم بكل الأشكال ومختلف الصور بغض النظر عن كل الاعتبارات
التي تقسي القلوب وتقنع النفوس بأنها محقّة في إيذائها وشرّها، ومنّا من
يستخدم إرادته الحرة واختياره في التعامل مع الشدائد والبلايا بمزيد من
ممارسات النكران والجحود والشحّ على الخير كما وصف تعالى المنافقين بقوله {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير}.
إن
الله لا يترك قلوبنا وحيدة شريدة تائهة في خضم البلاءات والشدائد وإنما
يكون قريبا سبحانه مجيباً عطوفاً حنوناً يلمس قلوبنا بكل خير ويخفف عننا
همومنا ويمهد الطريق أمامنا وييسرنا لما هو الأفضل لنا بشرط أن نكون على
يقين في أنه لا يقدر إلا عن كمال الحكمة ولا يدبر إلا عن تمام الرحمة،
وبقدر ما تكون هذه الثقة متنامية في أرواحنا بقدر ما تفتح أمامنا أبواب
السعادة والسلام والأمان بغض النظر عما نعيشه من صعوبات وتحديات.
من
الضروري ألا نغفل حقيقة أن سعينا في هذه الدنيا سنجازى عليه الجزاء الأوفى
في الدار الآخرة، وأننا بدون التمحيص والفحص والاختبار في حياتنا الأولى
لما كانت هناك مفاضلة حقيقية بحسب ما نقدم عليه من أعمال وبحسب ما نختار
لنفوسنا من مصير، والله تعالى أخبر عن نفسه أنه يضع الموازين القسط ليوم
القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وأن كل نفس ستجد ما عملت من خير أو شر محضر في
يوم قادم لا ريب فيه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق