نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حروف وأطياف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حروف وأطياف. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 يناير 2019

طفلتي الحبيبة خارج أسوار خوفي

تأملت وجه صغيرتها الجميل وهي نائمة بعد أن قصت لها "حدوتة" جميلة، مسحت على خصلاتها الناعمة بحنان وهي تقرأ المعوذتين، مررت أناملها على جبينها وخديها، قبلتها بحب بالغ، كلما أرادت النهوض من جوارها عادت مرة أخرى، كانت تحبها أكثر من كل شخص، وكل شيء أحبته في حياتها، كانت في قلبها أختها التي لم تنعم بها يوما، وأمها التي رحلت إلى بارئها تاركة شوقا عظيما في قلبها، وطفلتها المدللة التي طال انتظارها، كانت ترى فيها ماضيها وثمرة أيامها، ومستقبلها، ولا تطيق الحياة بعيدا عنها.

وبقدر سعادتها بطفلتها الجميلة الذكية التي تسحر لب كل من يراها، بقدر ما كان القلق والخوف يخيم على قلبها بسببها، فما أن تغمض عينيها لتنام حتى تتابع على عقلها أفكارا مقلقة عما قد يصيب صغيرتها من أذى، تفكر في كل شيء على أنه مصدر للخطر، لم تذهب لحضانة خوفا عليها من الأمراض، وخوفا عليها من أن يعاملها أحد بقسوة أو يكلمها بطريقة تخدش مشاعرها الرقيقة، وعندما اضطرت للتقديم في مدرسة اختارت أفضل مدارس الحي رغم أن مصروفاتها تفوق قدراتها، ولكنها لا تذهب بها للمدرسة أيضا إلا قليلا، ولا تسمح لها باللعب في الشارع، وعندما تذهبان للنادي ترافقها في كل خطوة، ولا تتيح لها الاشتراك في نشاط مستقل مهما كانت درجة الأمان والتنظيم.

لم يتوقف القلق عند حد الخوف على طفلة لم تتجاوز الستة أعوام، بل كانت كثيرا ما تسرح بخيالها في ابنتها وهي مراهقة وتخاف عليها جدا أن يخدعها أحدهم ويتلاعب بقلبها ويجرح مشاعرها، وتخاف عليها من صديقات السوء، وتخاف عليها أيضا أن تبقى وحيدة بلا صديقات.

وفي قطار القلق الذي لا يهدأ كانت تصل إلى تخيل ابنتها وهي تلد، فتخاف عليها آلام الولادة ومتاعبها وما قد يلحق بها من خطر.

كان القلق هو اللص الخفي الذي يسرق سعادة الحب، ويحوّل النعمة إلى نقمة، ويحتل الخيال فيملأه خطرا وتشاؤما.

وذات مرة كانت تتنزه مع طفلتها في النادي، تحرص أن تحرك لها الأرجوحة بنفسها، عندما وجدت الصغيرة تنادي على طفلة أخرى وتنزل فجأة من على الأرجوحة لتحتضنها، تعجبت.. من أين عرفت ابنتي هذه الطفلة وهي لا ترى أحدا؟.

قالت الصغيرة بحماس: إنها زميلتي في المدرسة يا أمي، التقيت بها عندما ذهبت في أول العام.

قالت لها الطفلة الأخرى: لماذا لا تأتين للمدرسة؟

صمتت الطفلة، فأجابت الأم سريعا: إن شاء الله سوف تأتي.

ردت ابنتها فرحة: حقا يا أمي؟

قالت الأم بحيرة: إن شاء الله يا حبيبتي.

ثم توجهت للطفلة الأخرى وسألتها: أين والدتك أو والدك يا عزيزتي؟.

ردت الطفلة: أمي هناك على الطاولة، تركتهم لألعب هنا.

تعجبت في نفسها من الأم لتركها الصغيرة تلعب وحدها، ولكنها وجدت ابنتها تفلت يدها بقوة، وتصرخ: أمي أرجوك اذهبي للجلوس على الطاولة أمامنا، سألعب مع صديقتي وآتي إليك وحدي.

رفضت الأم فدخلت الطفلة في نوبة بكاء غاضب أشبه بالاحتجاج.

اضطرت الأم للتأخر قليلا وعيناها لا تفارقان الطفلة، عندما فوجئت بمن يربت على ظهرها، كانت أم الطفلة الأخرى تسلم عليها، ودار بينهما هذا الحوار:

 ـ لا أراكِ في النادي كثيرا، ولا في اجتماعات المدرسة.

ـ فعلا أنا لا أحضرها، ابنتي أصلا لا تذهب للمدرسة إلا قليلا.

ـ لماذا؟

ـ أفضل التعليم المنزلي.

ـ نعم أسمع عنه كثيرا، ولكنه يتطلب تعويض اجتماعي وأنشطة جماعية للطفل.

صمتت، فتابعت والدة الطفلة: أنا أخاف على طفلتي كثيرا، فهي آخر العنقود، ولكنني أستعين بالله وأدعوه دوما أن يحفظها، وأحرص أن تكتسب مهارات مختلفة وتكوّن صداقات، فحبي لها يجب أن يكون قوة لها، لا أن يخنقها ويدمر ثقتها.

أجابت بتردد: نعم أتفهم كلامك، ولكن في الحقيقة أرى الجرائم والفتن حولي وأخاف عليها كثيرا.

قالت أم الطفلة: دوما هناك الجيد والسيء، فلماذا نركز على السيء بينما هناك الكثير من الأمور المطمئنة والمبشرة، وبين المراعاة المطلوبة والاهتمام الزائد فارق مؤثلر جدا في تكوين شخصية الأطفال.

عادت الطفلتان مبتهجتان، أخذت صغيرتها وودعتا الأم وطفلتها، وفي المنزل فكرت كثيرا فيما دار بينهما من حوار، حتى أتت إليها ابنتها قائلة: "أمي.. أظن أن زميلتي أسعد مني".

وقعت الكلمة على الأم كالقنبلة، صدمت قلبها، شعرت فجأة أن حبها كان أنانيا، والأهم أنه كان مفتقدا للتوكل على الله.

قررت التغيير، وتردد من المذياع قوله تعالى: "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا".

تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ثم قست قلوبهم

عندما سألت عن سبب تسميتي بـ"وليدة"، كان إجابة والدي أن مجيئي إلى الدنيا كان بمثابة صفحة وبداية جديدة، فأسرتي كانت غير عادية، تزوج أبي من أمي ومعه أخي "عطاء" من زوجة سابقة له، وكذلك أمي تزوجته ومعها أخي "كرم" من زوج سابق لها، وتعاهدا على أن يكونا قلبا واحدا رحيما معطاءا، فلا تفرقة ولا تحامل، وحمدا الله كثيرا أن أصبح لهما ولدين، وعندما ولدت اعتبرني الجميع وليدة رحمة من الله، لم ينتابني ولو للحظات الشعور بأن أحدهما لم يكن أخا للآخر، فلم يفرق والداي في محبتهما وحسن المعاملة لهما، وكان مقدمي سببا لزيادة رابطة الأخوة بيننا، وكنت أشعر بأنني الأميرة والجوهرة التي يحرصان على حمايتها.

مضت الأعوام علينا وهي تحمل السعادة والنجاح، كم تعلمنا من الوالدين الإيثار والكرم وحب العطاء،

وما كان أجمل حرص أمي على أن تعين عطاء على بر أمه وزيارتها والتواصل معها، وكم كانت متابعة أبي لدفع كرم على تفقد أحوال أبيه وتلبية رغباته، فكنت أشعر أنني أحيا في جنة الأحلام بأخلاق أبواي.

تخرجنا جميعا وأنهينا دراستنا الجامعية، ووافت المنية أبي وهو راضٍ أن يحقق عطاء رغبته في الزواج من أخت كرم الغير شقيقة، وأن يقيما معنا في بيتنا الواسع الجميل، فلم يكن عطاء يتحمل البعد عن أمي التي ربته، ورغب أخي كرم في مواصلة التعليم والحصول على العديد من الشهادات التي فتحت له المجال الرحب في العمل إلا أن عمله كان يتطلب منه السفر الكثير، فكان يشتاق إلينا جميعا ويسعى جاهدا للاستقرار، أما أنا فقد رزقت بزوج فاضل كريم الأخلاق والجود وأحبني كثيرا، وكان حريصا أن يكون منزلنا قريبا من منزل عائلتي حتى يسهل علينا أن نكون بجانبهم لتسعد أمي بمولودتي التي تعلقت بها كثيرا.

ورضخ كرم لإلحاح أمي عليه أن يتزوج هو الآخر من أخت عطاء الغير شقيقة ليعيش الجميع معا، ولكن سرعان ما نزغ الشيطان بين القلوب وشيئا فشيء تصاعدت الخلافات حول الميراث، واستحواذ ما ترك الوالد من أملاك، وحل الشقاق محل الوئام، وتناثرت الكلمات والمواقف الجارحة وتبادل الاتهامات، وأصبح الجميع على حافة الهاوية وقطع الأرحام، وسارع زوجي بتلبية رغبتي بأن تأتي أمي لتعيش معنا فقد كانت على وشك الانهيار، وهدأت أمي قليلا ولكنها لم تكف عن الدعاء لتعود لبيتها الدي أحبت فيه زوجها وأولادها، وألحت بالبكاء والدعاء على الله وهي في البيت الحرام حين اصطحبناها للعمرة ليعود الوفاق بين الأبناء، ويعود للعش الذي بنته السلام.
واستجاب الله الدعاء، ووفق زوجي لحسم الخلاف، واشترى بيت العائلة، وأعطى كل ذي حق حقه، وأصبح لكلٍ من عطاء وكرم بيته الخاص، وعاد بيت العائلة خالصا لأمي واختارتني وزوجي وابنتي للعيش معها، وتراضى الجميع وكم كانت سعادتها عندما يلتفوا حولها بالمحبة والمودة في الأعياد والمناسبات.
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

صفحات طويت


أضاءت الأنوار أركان المنزل، وزُينت جدرانه من الداخل والخارج بألوان الزينات المبهجة، وتعالت الأصوات بالتهاني، وازدحم المكان بالأحباب، فاليوم يوم عرس قرة العيون الذي أفاض الله عليه بوضع  محبته في قلوب المحيطين به، وانسابت دموع السعادة، والشكر لله على خدود من تلقفوه رضيعا ملقى به على قارعة طريق شهد مصرع كل من كان يحمله ذلك الباص، واحترق ما كان بداخله إلا هذا الصغير الذي حفظه الله لأمر كان مفعولا.

حملته تلك الطبيبة مسرعة إلى مركز رعاية الأمومة والطفولة الذي تعمل به لتقديم العون السريع له، وأخذ قلبها يرفرف وهي تتصل بأختها الكبرى التي دام زواجها أكثر من عشرين عاما، ولم ترزق بأطفال، والتي أصرت ألا تنفصل عن زوجها لخصاله الطيبة الصالحة، ورضيت بقدر الله فيه أن جعله عقيما، فإذا بها تتلقى مكالمة أختها تدعوها وزوجها ليحملا "يوسف" في حضنيهما، وليكونا الأسرة البديلة له، وتمت الإجراءات بيسر، وأسرعت زوجة أخيها التي تسكن بجوارها لترضعه مع ابنتها الرضيعة، وهكذا ما هي إلا أيام وقد أصبح له منزل يضمه بحب وعناية، ويشع هو سعادة ودفئا على ساكنيه،  أم وأب وأخت بالرضاعة، ولكنه في صغره كان يناديهما بالخال والخالة، فأبوه وأمه يعيشان معه في بيتهما.

والتحق بالمدرسة وبراءة الطفولة تحجب عنه أية تساؤلات، فلم يكن يبالي حين يكتب اسمه كاملا على دفاتره  فلا يجد فيه اسم ذلك الرجل الذي يعيش في كنفه، وإن سأل سؤالا عابر كفته تلك الإجابة البسيطة: "هناك الكثير من الناس يحملون أكثر من اسم".

وكبر مع الأيام وقد أُحيط بكل حب ورعاية، وعلى مشارف مرحلة المراهقة، بدأت أذناه تلتقط بعض التصريحات، وعبارات التجريح من أناس يتلذذون باختيار الأساليب الهدامة لإفساد أمن وأمان الآخرين، وأصبح حائرا يريد السؤال ويخشى الجواب، ثم ما لبثت المنية أن أدركت ذلك الرجل الصالح الذي رباه، ولم يعلم أبا سواه، وفي العزاء وقلبه يكاد ينفطر من البكاء همس أحدهم في أذنيه: "لماذا كل هذا؟ إنه ليس أباك" شعر بتصدع كل أركانه وتحطم أعصابه، وأصبح هائما يطرق باب كل من ظنه خال وخالة، ومن عاش سنواته الماضية على أنه عم أو عمه: "من أنا؟، وأين من كان لابد من وجودي معهم؟، أين والدي الحقيقين؟، وأين العصب والرحم؟ ولماذا لم يدركني منهم أحد؟".

كادت المشاعرالمتلاطمة من حيرة وقلق وحزن وخوف وغضب وألم أن تعصف به، والتف حوله من تلقفوه صغيرا ضعيفا ليواصلوا دعمه وتثبيته، واحتضنته أمه التي ربته لتمسح عنه كل ما يهمه، فقد ظلت تفعل ذلك معه طوال عمره، وذكرته بما كانت تغرسه فيه دائما من ثقة بالنفس، وأن ميزان المرء حسن خلقه وما يحققه وينجح فيه.

وتذكر نصيحة ذلك الذي رباه: "إذا ضاقت عليك الأرض، وضاقت عليك نفسك، ففر إلى الله"، وكيف كان يصطحبه إلى المسجد ويطرحه بين يدي الشيخ هناك الذي يعلمه ويحفظه آيات القرآن، وكيف أحبه وكيف كانت العلاقات الطيبة بين أسرتيهما.

وهرع إلى لمسجد يبث همومه إلى ربه ويعاهد شيخه طي الصفحات المؤلمة ومواصلة طريقه في الحياة بالصدق والعمل الصالح.

وأتم دراسته والتحق بوظيفة مرموقة، ووافق شيخه على تزويجة بابنته، وعندما رزق بأول مولود له احتضنه وسط جميع محبيه قائلا: "أنا أبوه".

تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

رحلتي مع الصلاة.. "أرحنا بها"


قامت على عجل قبيل أذان العصر بدقائق لتدرك الظهر، جرت إلى الحمام لتتوضأ، غطت رأسها سريعا بطرحة ملقاة على الأريكة، وكبرت لتصلي، قرأت الفاتحة فقط وبسرعة، أزاحت بيدها ألعابا وأوراقا من موضع سجودها، وفي الركعة الثالثة سمعت أذان العصر، شعرت بالأسف أنها لم تتم الصلاة قبل دخول وقت الصلاة التالية، ولكن ما أن أنهتها حتى ألقت بطرحتها، وعادت إلى هاتفها الجوال بسرعة لتكمل ما كانت تتابعه، وهي في طريقها إلى المطبخ.

فكرت لوهلة أن تصلي العصر الآن، فقد سمعت نداءه، ومازالت على وضوء، ولن يأخذ منها أكثر من 5 أو 7 دقائق، ولكنها رفضت الفكرة سريعا لأن "الوقت ما زال في أوله، لا زال هناك متسعا".

ولكن ما حدث مع الظهر هو نفسه ما حدث مع العصر، غير أن أذان المغرب أدركها وهي في التشهد الأخير، ورغم ذلك لم تصلّ المغرب فورا، بل أجلته، وفاتها الوقت تماما هذه المرة، فجمعت المغرب والعشاء بعد منتصف الليل!

بدا بيتها هادئا أخيرا، نام الأطفال، وأغلق زوجها مكتبه لينهي أوراق عمله، وسيطرت على الفوضى في الغرف، وأعدت مطبخها لاستقبال الصباح، وأخيرا حصلت على وقتها الثمين بلا مسؤوليات، وبلا تفكير أمسكت بهاتفها، وخرجت إلى حديقة منزلها الصغيرة بعد أن أعدت مشروبها المفضل من الشيكولاتة والقرفة والفانيليا.

وضعت الهاتف على الطاولة أمامها، ورشفت من المشروب رشفتين وهي تنظر إلى السماء، وتشعر بنسمات الربيع المنعشة على وجهها، تسللت إلى سمعها تلاوة نديّة تأتي من البيت المجاور، يعني هذا أن جيرانها قد أتوا، فهم غير مستقرين في هذا المنزل، يأتون مرة أو مرتين كل شهر، وفور أن يأتوا يشغلون المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وكأنهم يطردون عن البيت وعن أنفسهم الوحشة.

{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...} "إنها خاتمة سورة الحج" قالت لنفسها، ووبابتسامة لا تخلو من أسى تابعت في حديثها مع نفسها:"لازلت تذكرين! رغم أنك لا تفتحين القرآن إلا في رمضان".

وأغمضت عينيها، واستمرت التلاوة، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ1الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. خفق قلبها سريعا، شعرت كأن الله جل في علاه يخاطبها هي، أتى بها في هذه اللحظات الساكنة، وأتى بجيرانها، لتسمع..

ولأول مرة- رغم أنها كانت تحفظ جُلّ القرآن- تدرك هذه العظمة بين خاتمة سورة الحج بالأمر بالجهاد في الله تعالى حق جهاده، وبداية سورة "المؤمنون" بالخشوع في الصلاة...

وفرّت دمعة من عينها وهي تتذكر..

وتلت الدمعة دمعات ونحيب، فصور الماضي الذي حسبته بعيدا حضرت، واستعادت كيف كان قيامها للصلاة، كيف كانت تقوم عند سماع الأذان مهما كان الحضور، ومهما كان الانشغال..

وتذكرت كم كانت تستعد للصلاة قبلها، وكم كانت تشعر برهبة ومحبة جارفة إذا دخلت أي مسجد.. وكم كان الأذان يثير في نفسها من خشوع وحنين، وكيف كانت صلاتها مناجاة لا تريد إنهاءها.

وتذكرت.. أنها كانت "ترتاح بها" لا "منها"، وأنها كانت في إحساسها كواحة تنقذها من هجير صحراء قاحلة، وتستعين بها على الدنيا وما فيها.

قطع حبل أفكارها صوت طفلها يبكي، فتحت عينيها على واقعها، قامت إلى صغيرها هدأته وأعادته إلى سريره، ولكن المعاذير التي طالما ألهت بها نفسها طوال سنين تلاشت، أدركت أن جهادها في صلاتها، أن تعود للراحة بها لا منها.
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

الحُلم يتجسد من جديد


تسللت خيوط الشمس إلى وجهها ففتحت عينيها ببطء، وبدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، كان الحلم عميقًا، من هذا النوع الذي يستغرقك تمامًا فلا تعرف أنك تحلم، قامت على مهل تلمس الأرض بخفة وكأنها تتمسك بالحلم الجميل، فتحت ستائرها البيضاء الرقيقة، تطلعت إلى حديقتها الجميلة، تطلعت إلى الأسفل وابتسمت، واستكملت حلمها، صغيرتها الحلوة تقفز فوق العشب وتقلد صوت القطة وهي تبدي دهشتها باحثة عنها: أين أنتِ أيتها الهرة الصغيرة؟، أسمع صوتك ولا أراك، هل تختبئين مني؟

فتضحك صغيرتها، وتكمل اللعبة بسعادة وهي تظن أنها نجحت في تمثيل دور القطة مع أمها، وتستعد لمفاجأتها: إنها أنا!

فتضحك الأم مندهشة: أنت القطة، كيف أتقنت صوتها هكذا؟

ثم تردف: هل أنت جائعة يا قطتي؟، ما رأيك أن نفطر سويًا في الحديقة ثم نبدأ العمل بها؟.

أفاقت من حلمها، وخرجت بتثاقل إلى المطبخ لتعد قهوتها، أمامها يوم حافل، حاولت أن تنسى الحلم، وتشغل عقلها بالمهام المنتظرة، حتى أحست بلمسة حانية على شعرها، وقبلة: صباح الخير يا أمي.

صباح الخير يا حبيبتي، ما الذي أيقظك مبكرا هكذا؟.

لم أستطع النوم طويلًا.

حاولي أن تنامي ولو ساعتين قبل الذهاب إلى الصالون.

سأحاول.

ساد الصمت، فقطعته الأم مازحة: لي يومان أفكر هل علي أن أخبرك بوصية الأعرابية لابنتها في يوم زفافها، أم تُراكِ تعرفينها؟.

ابتسمت الفتاة قائلة: أعرفها جيدًا، وأعدك أنني سأحاول ألا أنغص نومه، ولا أفرح أمامه وهو حزين.

ضحكت الأم وتابعت: حسنًا طمأنتني، ربما علي أن أعيد صياغة الوصية، فأوصيكِ يا ابنتي ألا تستغرقي في هاتفك وهو يُحدثك، ولا تفشي مشاكلك على السوشيال ميديا.

تبادلتا الضحكات، وقالت الابنة: هذا الإصدار الأخير من الوصية يبدو أكثر تشويقًا.

مضى اليوم بسلام، كان حفلًا جميلًا مفعمًا بالمحبة، وعندما أوصلت طفلتها الكبيرة إلى بيتها الجديد شعرت بفيض من الدموع يخترق قلبها، ولكنها برباطة جأشها المعهودة منعته من الوصول إلى عينيها، قبلتها وتمنت لها السعادة، وأوصت زوجها بها، ثم غادرت مسرعة.

تملكها شعور غريب وهي تدخل إلى البيت، بدا لها غريبًا جدًا بدون ابنتها، لم تستطع المرور بقرب غرفتها، وخافت أكثر من الدخول إلى النوم رغم تعبها الشديد، وكأن كل المشاعر والأفكار المخبأة تنتظرها هناك.

دخلت إلى غرفة مكتبها، قررت أن تنجز بعض المهام الروتينية المؤجلة، حاولت أن تنهمك بعيدً عن نفسها، حتى فوجئت بالبكاء يتفجر من قلبها، بكت طفل صغير، لا تدري كم من الوقت بكت، ولكنها بكت كثيرًا، بكت حبًا واشتياقًا، بكت خوفًا ووحدة، بكت عُمرًا رغم ما فيه من صعاب بدا لها الآن حُلمًا جميلًا بعيدًا.

وانتشلها من بكائها جرس الباب، تساءلت بقلق: من سيأتيني الآن.

هرولت لتفتح فإذا بمندوب يحمل باقة ورد رائعة: تفضلي.. عُذرًا على الإزعاج، ولكن ابنتك طلبت أن نوصله لك في هذه الساعة.

شكرته، وأمسكت الباقة بيديها كانت تضم ورودها المفضلة: الزنبق والقرنفل والبنفسج.

شعرت وكأن صغيرتها تحتضنها، وتربت على قلبها، وابتسمت وهي تدرك كم أن قطتها الصغيرة أصبحت شابة ذكية ومراعية، لقد أرادت أن تأتيني زهورها ورسالتها وأنا أبكي.. علمت يقينًا أنني سأفعل.

فتحت الرسالة المرفقة مع الباقة:

شكرًا على كل زهرة غرستها في قلبي يا أجمل زهرة في العالم.

سأحمل في قلبي دومًا زهراتنا الجميلة، وعُمرًا عشناه سويّا معًا بأفراحه ومصاعبه.

ومن يدري.. ربما أحمل إلى حديقتك السعيدة قططًا صغيرة جميلة عن قريب.

على كل حال.. نامي جيدًا، لأنني سأتناول الغداء معك غدًا، وسأصدعك كالمعتاد بحكاياتي.

أحبك.

ضمت الرسالة إلى قلبها، وخرجت إلى حديقتها، أضاءت أنوارها، وابتسمت بفرح عندما تخيلت الحُلم يتجسد من جديد.
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

دمية أمي


تسللت يدي بصعوبة تتلمس قدماي واحدة ثم الأخرى وأخذت أحركهما بهدوء، وقد تعلقت عيناي من خلال نافذة السيارة على امرأة قعيدة جالسة على كرسي متحرك تبيع بعض الأشياء للمارة، وبجانبها ابنها الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره، يقرأ في كتابه ويحل واجباته، وهي تستمع له وتصحح له بعض الأشياء، وفي عينيها همة وعزيمة، سالت الدموع من عيناي وارتسمت تلك الصورة في وجداني، لم أنم تلك الليلة وكأن ماردًا بداخلي قرر أن يفيق، وأخذت الأفكار تعصف بي متأملة لتلك الحالة التي أنا عليها، وإذا بشريط حياتي يمر أمام عيني.

 رزقت أمي بي على كبر سن، وبعد شوق طويل، وما إن جئتُ إلى الحياة حتى فارقها أبي، وساعدت أمي فرحتها بي على تجاوز محنة فراق شريك عمرها، فكان كل همها تدليلي، تقضي الساعات في تجهيز ملابسي، وتصفيف شعري، واللعب بي، تكاد لا تفارقني في كل أحوالي، تخشى علي من كل شيء، لا أقوم بعمل شيء لنفسي، فهي تطعمني بيدها وتأتيني حتى بكوب الماء لأشربه، وتذهب بي إلى المدرسة، وتنتظر خروجي، بالكاد تسمح لي بأداء واجباتي مع مساعدتي فيها بكل ما تستطيع.

لم يكن مسموحًا لي أن أختلط بالأطفال، فيما عدا صديقة واحدة هي ابنة جيراننا الذين تثق أمي بهم، وكان لعبنا أيضا في منزلنا تحت مراقبة أمي خوفًا من وقوع أي أذى، وكان يسعدها كثيرًا أن يصفني الآخرون بأنني دميتها المدللة.

كنت سعيدة بهذا الدلال، ومضت السنوات وأنا في راحة وتنعم بالطفولة البريئة ولا أبالي بشيء، وحتى تكتمل سعادتها بدميتها سارعت بتزويجي على صغر سني، وأصرت أن نعيش معها، وكانت تلك أمنيتي فهي تتولى عني القيام بمسؤوليات واحتياجات البيت، وأنا أرتع في طفولتي وهي تقوم بتجهيزي وتزييني لتراني كل يوم عروسة، وأنجبت طفلتي وواصلت هي القيام بكل المهام، ولم يكن لدي فرصة لأترك طفولتي وأرعى طفلتي.

سرعان ما مل زوجي مني ومن تلك الحياة وغادرنا وحمل طفلتنا معه تاركا لي رسالة: "عندما تصبحين قادرة على القيام بمسؤوليتك تجاهها ستعود لك".

ولم نعد نعلم عنهما شيئا، كاد الحزن أن يقتلني، ولم أعد أرَ في الحياة أي أمل، وأصبحت طريحة الفراش خاصة بعد أن فاضت روح أمي، شعرت بعجزي حتى عن التقاط أنفاسي، وفي تلك الظلمات عادت صديقة طفولتي التي حققت تفوقا في مجال الطب النفسي تتردد على زيارتي وقد عقدت العزم أن تساعدني على الإفاقة من تلك الإعاقة النفسية التي كادت أن تحطمني، وتحليت معها بالصبر وبذل الجهد، وتمسكت بصورة السيدة القعيدة التي تتحدى الإعاقة بعزيمتها، فأصبحت أجيد الكثير من المهام، وشيئا فشيئا ارتفعت همتي، كانت صديقتي تصحبني لمراكز رعاية المعوقات جسديا وتشجعني على أداء خدمات لهن لتؤكد لي سلامة جسدي وقدرتي على أن أكون فعالة لمن حولي وغرس الأمل في القلوب، وتعلمت منها التوكل على الله واكتساب الثقة بالنفس، وانفرج همي وأعاد الله لي زوجي وابنتي، وهمست صديقتي في أذني: "حبنا الصادق لأولادنا هو أن نمنحهم الحرية والثقة ونعدهم للانطلاق في الحياة".
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

زوجي والخادمة.. خنجر الاتهام المسموم



جُنّ جنون زوجي، وتعالت صرخاته، وأخذ يبعثر كل شئ أمامه، ويروح ويجيء في أركان غرفتنا أولا، ثم يهرع إلى باقي الحجرات: "أين المال؟ أين ذهب الذهب؟".

علا الذهول وجوهنا، وماعادت عيوننا تبصر فقد غطتها غمامة الدهشة والاستفهام وصعوبة تقبل الواقع؛ فقد ضاعت مدخراتنا.

سارع زوجي إلى اتهام "مبروكة"، تلك المرأة التي تقوم على نظافة بيتنا، ووافقته، فنحن بالفعل لم نكن نسمح لغرباء بالتواجد في منزلنا، وهي فقط التي تدخله، وتعرف كل ركن فيه، ولم يشفع لها أنها تعمل لدينا منذ سنوات طوال، وأننا لطالما اعتبرناها رمزًا للأمانة والإخلاص.

وبكت مبروكة، وأقسمت على براءتها، ولكن زوجي ظلّ يضغط عليها لترد المسروقات، وهددها بتصعيد الأمر.        

تنازعتني الحيرة بين أسفي على مافقدناه، وأمنيتي أن تظهر براءتها؛ فقد آلمني تضرعها وخوفها من أن يعلم من حولها أنها تعمل خادمة لدينا، وحاولت تهدئة زوجي خاصة وأنه كان يعاني في الفترة الأخيرة من توتر وعصبية، ويختلق المشكلات ويتأفأف من كل شيء، وكنت أرجع ذلك لضغوط في عمله.

رجوت زوجي أن يسترجع، وأن يهديء من ثورته ويكف عن ملاحقتها فقد مرضت مرضا شديدا، ثم بدا له فجأة أن يجعلها تترك الحي الذي نقيم فيه، وكانت هي تسكن في أطرافه، وآثر الصمت وأمرني وأبناءنا أن نكف عن الحديث في الأمر، وعادت مبروكة تحمل انكسارها وضعفها إلى قريتها مع طفليها ترجو السلامة، والعيش مستورة.

ظلت مشاعر الألم والحيرة والظن والشفقة تتصارع بداخلي، وكم أهلكني تشتت الأفكار والعجز، ولم أدرِ سبب اتساع الفجوة بيني وبين زوجي، فقد زاد ابتعاده عنا وازدادت مشاعري تبلدا تجاه.

وأسرت إلىّ ابنتي الكبرى بأنها كانت تحرص على زيارة "مبروكة" وتفقد أحوالها ومساندتها معنويًا وماديًا كيفما استطاعت، فقد كانت تحبها كثيرًا وواثقة من براءتها، وقالت: "يكفيني يا أمي يمينها وقسمها على براءتها، إنها لا تكف عن الدعاء رب إني مغلوب فانتصر"، فشعرت
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

قطايف من ذكريات جدتي الرمضانية


كنا نذهب للإفطار مع جدتي، ونتلهف للالتفاف حولها، وما أن تنتهي من صلاة التراويح وتتخذ مقعدها بجوار شرفة حجرتها حتى تتعلق أبصارنا وقلوبنا بها، وكلنا شوق لسماع حديثها، وقصصها عن ذكرياتها، وكيف كان رمضان زمان.

كنت أتابع نظرات عينيها وهي تسبح بعيدا مع الذكريات، وأترك خيالي يسبح معها وكأنني طفلة بجانبها وقد حملنا مع أطفال الحي الفوانيس البسيطة الجميلة التي بداخل كل منها شمعة، ونردد سويًا:" أهلا رمضان وحالو يا حالو"، ونطوف على بيوت الجيران فيعطونا الحلوى تهنئة بقدوم شهر الخيرات.

قالت وابتسامة ترتسم على وجهها تحمل شجن وحنين: كان مطبخنا كخلية نحل لإعداد الإفطار، فنحن نقيم في عائلة كبيرة وأمي تُحمّلنا نحن الأطفال ما لذ وطاب لنسارع به إلى الجيران، فنرى ابتساماتهم، ونسمع الدعوات، وسرعان ما يردون لنا هذه الأطباق محملة بالطعام اللذيذ.

ولمعت عيناها وهي تتذكر قائلة: كنا ننتظر بشوق سماع  (مدفع الإفطار اضرب) ثم سماع صوت الأذان فنتناول الماء والتمر ونردد ما حفظناه من دعاء، فإذا ما انقضت صلاة المغرب، وعاد الرجال من المسجد، اجتمعت العائلة جميعا في أجمل لحظةمع أحلى أصناف الطعام والشراب.

وتابعت: كانت أمي تشجعنا وتلهينا أثناء نهار رمضان لنصوم بعض الساعات، وتكلفنا ببعض الأعمال اليسيرة وتعلمنا احتساب الصالحات، وتلقيت درسا هاما في حياتي حين اختبأت عن الأنظار وتناولت بعض من الطعام، ورآني أخي وأذاع بأنني لست صائمة وأصررت على العكس، فعلمني أبي أن المسلم لا يكون كذابًا، وأن الصوم عبادة الصدق والإخلاص لله.

وضحكت جدتي وهي تتذكر المسحراتي، تلك الشخصية التي غدت أسطورية لذلك الرجل البسيط وقد ارتدى جلبابه ويطوف شوارع الحي وبيده طبلة يدق عليها مرددا: "اصحى يانايم وحد الديان.. السحور يامسلمين"، كان يستحوذ على قلوبنا نسارع إليه ليدق على طبلته وينادي على أسمائنا ونعد ذلك شرفا رائعا.

وأردفت قائلة: لقد اختفى المسحراتي، وإن وجد فقد انطفىء ما كنا نحس به من حماس وتواصل.  

استمر شريط الذكريات يجري أمام عينيها، وواصلت حديثها: أشعر وكأن أبنائي أطفالًا أمامي والفرح والسرور يملأ القلوب حين يهل عليهم هذا الضيف العزيز شهر الرحمات، ومعهم فوانيس تضاء بأحدث التطورات،  ويقبلون على حلقات القرآن في المسجد ويجاهدون أنفسهم في الصيام، وكنت مع والدهم نعد لهم المسابقات الدينية التي تمدهم بالمعلومات وتحيي ذكر السلف مع رمضان، وتُعلي الهمم والفخر بالرسول الكريم وكيف كانت غزواته والانتصارات.

تسللت دمعة من عينيها حين تذكرت وفاة جدي العام الماضي في رمضان، وأخذت تلهج بالدعاء وطلب المغفرة والرحمة، وتردد: "ما أجمل نسماتك المباركة ياشهر القرآن، تأتي وترحل سريعا تاركا لنا ذكريات لا تنسى"، وأقبل خالي يقبل جبينها ويمسح دمعتها يبشرها بالاستعداد للسفر لقضاء عمرة في رمضان، ونسج الجديد الجميل من الذكريات في التقرب إلى الحي الذي لا يموت.

تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

رائحة الجنة في بيتي


امتدت يد ابنتي تمسح دموعي التي انسالت على وجه أمي وقد لفظت أنفسها الأخيرة وأنا أضمها إلى صدري،  كان آخر ما فعلته قبل أن تفارق أن نظرت إلي بنظراتها التي طالما أحببتها، وتبسمت بصعوبة وهي تدعو بصوت متقطع: "رضيت عنك يا بني فليرضى الله عنك"، ثم كانت آخر كلماتها شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.

شعرت أني فارقت نفسي بفراقها للحياة، وغلبني حزن شديد، وجفا النوم عيناي، حتى غشيني النعاس فرأيت سعادتها حين قررت أنا وزوجتى أمل – وهي ابنة خالتي التي أحبتها أمي كثيراـ نصر على أن تعيش معنا، وقلنا لها بحزم واستجداء: "لن نتركك يا أمي تعيشين وحدك، نريدك معنا"، ولم يعترض أحد من إخوتي محمود وعمر وهند،  بل شعر الجميع بالطمأنينة على الوالدة، وغدا كل منهم إلى حياته الأسرية مع إصرارها على الجميع أن يأتوا إليها متى شاءوا وكيف شاءوا، وهي تنظر إلي والابتسامة تملأ وجهها.

ومضت الأيام جميلة، وأفاض وجود أمي بيننا على البيت راحة وسكينة،  وها هي هند وأطفالها يأتون إلينا كلما سنحت لهم الفرصة فيغرد قلب أمي وتساعدها أمل في الترحاب بهم وتقديم أحلى وأشهى الأشياء،ويمضي اليوم على أمي وهي تودعهم بأطيب الأمنيات، وتذهب إلى فراشها بعد أن تصلي شاكرة لله لاهجة بالدعاء.

وعمر أخي الأكبر  يأتي غالبا بمفرده يوم أجازته  بين الحين والحين؛ فزوجته تعمل موظفة وتفضل قضاء أجازتها عند والدتها أو الخروج للنزهات، وإذا صادف أن جاءت عندنا مع زوجها ساعة من نهار تغمرهم أمي بالوابل الطيب من الشكر والامتنان.

أما محمود فعمله يتطلب الكثير من السفر والتنقل في أنحاء الوطن، فتلح أمي على زوجته وأطفاله أن يأتوا عندنا باستمرار، وعند عودتهم تحملهم أمي بما تطيب نفسها مما رزقنا الله من خيرات، وكم أعلنت لها غضبي متبسما عندما لمحت لي بالاستئذان لتفعل ذلك، وقبلتها قائلا: "يا أمي أنا وكل ما أملك لك؛ فافعلي ما يدخل السرور على قلبك دون حتى أن تعلميني".

أفقت من غفوتي متنهدًا، وعلى صوت نشيج بكائي استيقظت أمل وربتت على يدي، وأنا أردد:" كيف سولت لي نفسي وغلبتني مشاعر الغيرة وأنا أراها تستقبل وتودع أخوتي وأطفالهم دائما بكل هذا الحب والترحاب، ونحن الذين نتقاسم معها ألمها ومرضها ونسعى جاهدين حتى تكون راضية دائما".

غلبني ضعفي وألقى الشيطان في قلبي لأنال وزوجتي وأبنائي من تلك الفرحة واللهفة التي تتعامل بها معهم فزين لي سوء عملي.

قررت مع أخوتي أن نتقاسم وجود أمي عند كل واحد منا، ولم أستمع لقول زوجتي بألا نفرط فيها، وأن ترحابها بهم نابع من سعادتنا بها وسعادتها عندنا وشعورها بأنها في مستقرها الآمن.

فكان أن تنقلت بيننا..

وعند هند وجدناها قابعة في فراشها تصمت في وجود زوجها وتعمل لصرامته ألف حساب.

وفرحت بها زوجة محمود، فرح يشوبه الاستغلال وعدم التقدير، فكانت تترك لها الأطفال دون مراعاة لظروف تلك الأم كبيرة السن وتخرج هي كما تشاء.

وذهبت عند عمر في بيت له قوانينه الخاصة من النوم والاستيقاظ والكلام، وتناول الوجبات فنظرت إلي على استحياء.

ثم استدركت أمري، وبكيت عند قدميها لتغفر لي خطيئتي، وطوقتها بذراعي واصطحبتها مع زوجتي لبيتي راجيا منها العفو والسماح، وهمست لها: "ليكن نصيبهم عبارات الترحاب وكرم الضيافة، ونفوز نحن بأن تكوني بيننا يامفتاح جنة الرحمن". 
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

الحُلم الذي قتل أبي وأختي

كنت الأخت الكبرى لصبي يصغرني بعامين، وطفلة بريئة لم تتجاوز سنواتها الأربع، تلك أسرتي التي ظللها أب يفيض حنانًا، وأم تلهث وراء طموحاتها.

كنت في العاشرة من عمري عندما وعيت الأزمة بين والديّ، فالمال قليل في اليدين، والأب مطحون في مشقة العمل البسيط طوال اليوم محاولا سد الاحتياجات، ولكن هيهات.. فالرغبات والعوز لا ينتهيان.

كان أبي يحبها، ويطمع في إرضائها، ويردد  دائما أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن الرزق الحلال يحمل البركات، ولكنها كانت تشتعل غضبًا وتنعته بالضعف والذلة، وتبكي حظًا أورثها فقرا بعد فقر، وكنّا أحيانا نبكي معها، وكثيرا ما نفرح حين يضمنا أبي إلى صدره، ويقدم لكلٍ منا قطعة حلوى بسيطة.

وفي إحدى الليالي سقط بين يديها عقب مشاجرة بينهما بسكتة قلبية، ووافته المنية.

مرت السنوات بمعاش قليلٍ اضطرها للخروج للعمل في تنظيف بيوت الأثرياء، واستمرت لا تكف عن التطلع لما عندهم، تمد عينيها لما يتمتعون به، وتندب حظها حينًا، وتكتم في قلبها حينًا.

ولم يفارقني شعوري بأنها كانت سببا في تعذيب أبي، ومنذ لحظة وفاته شعرت أنها قتلت بداخلي كل معاني الأمومة، وأصبحت يتيمة الأبوين، وساد الجفاء بيني وبينها.

وللمساعدة في المعيشة، كنت بجانب مواصلتي لدراستي أقوم بأعطاء دروس للأطفال الصغار في الحي الذي نقيم فيه مقابل القليل من المال، والتحق أخي للعمل في إحدى المحال، وظل حلم أمي وسعيها في البحث عن طريق الثراء، واعتبرت جمال أختي البارع الذي تحلت به هو مفتاح ذلك الطريق؛ فكان جل همها تزويجها لأحد الأثرياء دون اعتبار لأي شيء، وأخذت تبث ذلك الحلم في عقلها وتمنعها من بذل أي جهد في مذاكرة دروسها، أوممارسة الأعمال المنزلية حتى لا يمس الجمال خدش، ولا ينمو عقل يفتح عينيها على حقائق الحياة.

أصبحت أختي من صغرها كالدمية التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، تحركها أمي تحت ذريعة فرارنا من الفقر.

أنهيت دراستي، وتقدم ابن عمي للزواج مني، ولم تبالِ أمي بشيء إلا الخلاص مني، صارخة في وجهي: " كم يليق الفقر بكما".

ورحل أخي بعيدا عندما أدرك عجزه عن ملاحقة حلم أمه، وشعر بتجاهلها له.

وتنهدت أمي بارتياح وفرحة غامرة حين أصابت هدفها، وزوجت الصغيرة من ذلك الثري العجوز الذي يقارب عمره عمر جدّها، ولم تبالِ لماذا لم يتزوج في كل عمره الذي مضى، ولم تنصت لمن حاول نصحها.

ولم يمضِ إلا القليل، وإذا بالعروس الصغيرة تهرب فزعة من قسوة العجوز البخيل، ولا تكاد تدرك طريقها، وألقت بنفسها لتفيض روحها في حادث تصادم مروري مروع.
كادت أمي أن تتحطم، وضاقت عليها الدنيا بوسعها، وأخذتها لتعيش معي ومع أحفادها، ونظرت إليها وضممتها إلى صدري وفاضت دموعي، وهمست بداخلي: ليتك يا أمي لم تفقدي بصرك لتري ما كنت تحلمين به؛ فقد منَّ الله علي بسعة الرزق، ومحبة الزوج، وأولاد يحيطون بك ويسعدون بوجودك.
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

عودي ليعود دفء الحياة


بينما كنت أمسك بيد أختي الصغيرة، ونرقب مجيء أبي ليأخذنا في نهاية اليوم الدراسي كالمعتاد لم أنتبه لصوت مديرة المدرسة وهي تكلمني؛ فقد كان جسدي كله يرتجف ويكاد الحزن يقتل قلبي الصغير، فإذا بها تضمنا وتذهب بنا إلى حجرتها. أمرت بإحضار مشروب دافيء لنا، ولكني لم أستطع تناوله، فأخذت تربت على كتفي: "ما بك يا أمل؟!.. مضت عليك فترة طويلة وأنت متغيرة، وقد لاحظت معلماتك هذا التغير، صامتة طوال الوقت، ومستواكِ الدراسي انخفض".

بللت الدموع وجهي، واختنقت الكلمات في صدري، وكأني أحمل جبال الدنيا فوق رأسي الصغير، لم أدرِ ما أقول إلا أني لا أريد أن تأخذني تلك المرأة التي تدعي أنها أمي لأنها ولدتني، لا أعرفها فقد فتحت عيني على التي فاضت علي بنبع من الحنان والرعاية، لا أتذكر إلا أنه عندما كنت على وشك الالتحاق بالمدرسة رأيتها لأول مرة، وقد جاءت لتراني على عجل واختفت، ولم أبالِ بها ولا بمن تكون.

كانت الحكايات تدور حولها أحيانا، يحكي أبي كيف أنها طُلقت منه بعد زواجهما بعام واحد، عندما تعرض لأزمة مالية، ولم تحتمل ضيق العيش، وألقت بي وتخلت، وما لبثت أن تزوجت من ثري وسافرت خارج البلاد وانقطعت أخبارها.

وتنزلت رحمات الله علي وعلى أبي حين وفقه للزواج من تلك التي فرحت بوجودي، وترعرت بين يديها وقد ألقى الله محبتي في قلبها، هي أمي ولا أعرف أُمًا سواها، وتوالت الرحمات حين وهبنا الله بأختي الصغيرة، ولم أشعر للحظة أن أمنا تفرق بيننا في المحبة بل دائما ماكنت تردد أن وجود الصغيرة زاد من محبتها لي.

كان الدفء يملأ بيتنا إلى أن هبت الأعاصير حولنا، حين عادت الوالدة من غربتها وظهرت في حياتنا وقد بلغتُ العاشرة من عمري لتعلن أنها قد طلقت من ذلك الثري، وقررت الاستقرار لتبقى بجانبنا، وأخذت تحاصر أبي وتحاول التواصل معه ومعي وتدعي أنها لن تتركني وتريدني معها، وملأ الخوف قلبي، ودب النزاع بين أبي وأمي، وتزلزل كياني.

كنت أرى أمي تبكي كثيرا وتفلت أعصابها، وتتفوه بعبارات وكلمات لم أدرِ مغزاها ولا أستوعب ما وراءها من غيرة وغضب ورفض وقلق، تبدلت أحوالنا، وامتلأ قلبي الصغير بالضيق والغضب حين رأيت ضعف أبي وتوانيه في وضع حد لتلك المأساة التي تُوجت بذهاب أمي إلى بيت أهلها، وتركتني وأختي مع أبي حتى نستطيع مواصلة الذهاب إلى المدرسة، وقد احتضنتنا ووعدتني أن نكون معًا بمجرد أن تضع حملها وتلد أخي الصغير الذي في بطنها، عشش البرد على بيتنا، وأصبح البكاء رفيقنا أنا وأختي، وكانت الأيام تمر بطيئة ثقيلة.
وبينما أنا غارقة في أفكاري في حجرة المديرة، عاجزة عن البوح، إذا بأبي قد جاء ليصحبنا من المدرسة، ولمحت من وراء دموعي وجهه وقد أشرق وبدت عليه علامات الرضا، وضمنا إلى صدره قائلا لقد انكشفت الغمة سنذهب لإرجاع أمكم فقد اتصلت بها واتفقنا وذهبت التي هددت سكينتنا ولن تستطيع تفريق شملنا، كدت أطير من الفرح وأهديتها صحبة الورد التي تحبها وقد كتبنا عليها: "مع حبنا وقبلاتنا عودي لنا ليعود الدفء لحياتنا".  
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

صمت الحرمان

 

طفلتي فكّت عقدة لساني

صمت الحرمان

أطال إليها النظر، وقلبه يكاد يطير من الفرح، ولسانه يلهث بالشكر لله؛ فها هي ابنته عروس.. أقر الله عينه برؤيتها في الثوب الأبيض، والسعادة تفيض على وجهها، فطارت به الذكريات..

تذكر وهي بين ذراعيه لم تتجاوز الثالثة، بعد أن نجيث من حادث أليم فاضت فيه روح أمها، كان يحتضنهوا تسقط دموعه على وجهها الباسم الصغير، ويتساءل ماذا سيصنعان سويا في هذا العالم وحدهما؟، وكيف سيربيها ويكون لها أبا وأمًا، وأفاق من ذكرياته على تهنئة المدعوين.

ثم اقتحمته الذكريات ثانية، إلى زمان أبعد من ذاك، إلى صوت أبيه الصارم يهز أركان البيت يشتم ويلعن ما حوله، ويختبيء هو ولمّا يتجاوز العاشرة حتى لا يتعرض لضرب وركل هذا الغاضب المتذمر، وتحتل ذاكرته صورة أمه الضعيفة الواهنة تنطلق لتلبي ما يمكنها من طلبات زوجها، كانت حياتهم قاسية فظة فانفضت عُراها، فرّ أخيه الأكبر، أما هو فقد جعلته رجفة الخوف والقلق الدائم متلعثما في الكلمات، وكأن لسانه معقود فاعتاد الصمت.

ومرضت أمه مرضا شديدا، وسرعان ما وافتها المنية ليُطوّق الحرمان حياته، وغرق في استذكار دروسه، وأبهر مدرسيه بذكائه إلا أن الكلمات لم تكن تسعفه ليبدي ما في قلبه.

وتزوج أبوه بأخرى، وتغير هذا الغاضب واستكان لتلك الأخرى يلبي لها كل أوامرها، وما لبث أن أرسله إلى بيت خاله ليعيش هناك يبتغي مرضاة زوجته الشابة التي لم تعد تريد ابنه في البيت.
وهناك في بيت خاله الفقير صاحب العيال الكثر، لم يجد مفرًا من العمل في مكتبة ذلك العم الذي يسكن بجوارهم، وكان صاحب قلب كبير، فأعانه على مواصلة دراسته، وسمح له بالمبيت داخل المكتبة، فاستراح وأراح خاله، وأخذ ينهل من قراءة كل ما يقع تحت يديه، ووجد طريقه في التعبير كتابة، فإن كانت الألفاظ تخونه فيما يريد، فقلمه كان طائعا له مسترسلا، وأنهى دراسته الجامعية وظل يكتب ويقرأ، وأعانه صاحب المكتبة على طبع ونشر كتاباته، وأصبح أديبًا مرموقًا يشار إليه بالبنان، وما لبث أن تزوج ، ووصل به قطار ذكرياته إلى تلك الصغيرة التي عاهد نفسه أن يهب لها حياته فهي نعمة الوهاب، وإذا بها وهي تنطق بكلمات طفولتها المحببة المتكسرة قد أخرجته من صمته وأطلقت لسانه ولم تعد تتعثر كلماته، وحلّ الدفء مكان الحرمان، وتعلما معا كيف يكون تواصل الحوار وجاذبية الكلام، فأقبل عليها يقبلها ويدعو لها بالسعادة مع زوجها، ويشكر الجميع بأعذب وأرق الكلمات. 
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

الصفحات

من أنا