نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

الخميس، 17 يناير 2019

رمضان.. رحلة العفة وإنهاء سطوة الجسد

رمضان في وجداني مثل رجل صالح قوي، وجد ظالما مفتول العضلات أعمى البصيرة يطغى على ضعيف هزيل كاد أن يموت تحت يديه، فأوقف هذا الظالم عند حده وكبله وحبسه، وقدم للضعيف الهزيل ما يقويه فامتلأ بالحياة مجددا، واستعاد قوته.. هكذا يفعل رمضان مع جسد اهتممنا به، فاستحوذ علينا، وأصبح يتحكم بنا بشهوات البطن والفرج والتفاخر، ويسيطر على قلوبنا وعقولنا بعشق الصور وأسر الزينة.. وهذا الضعيف الهزيل كمثل أرواحنا المتعبة.

ولأن الإنسان امتزاج روح وعقل وجسد، فإن طغيان مطالب أحد هؤلاء الثلاث، يؤدي إلى نقص في غذاء الآخرين.. فقد يطغى العقل، والنهمة للمعرفة والعلم، وكثرة التفكير والتحليل والاستنباط، فإذا لم ينتبه الإنسان قد يأتي هذا على روحه، وهذا مشهود ومعروف، أن تجد من وصل في مراتب العلم جاف القلب، فقير في الجوانب الروحية، وقد يؤثر أيضًا على اعتنائه بجسده، فتجده قليل الطعام، ضعيف الميل للشهوات الجسدية بشكل عام.

وقد ترتقي الروح، ويسمو الإنسان في العناية بمطالبها، ولا غذاء لها سوى بالتفكر والتأمل والذكر، فتضعف رغبات جسده، وقد يتأثر حرصه على العلم العقلي أيضًا، لذا نجد في السير وفي الحاضر أيضًا، أن من يغلب الميل الروحاني مثل كثير من المنسوبين للتصوف، تقع منهم ألوانا من الشطط بسبب ضعف العلم، والاستهانة به، والاعتماد على مدركاتهم الداخلية وحدها.

أما الأكثر شيوعًا في البشرية، فهو طغيان الجسد ومطالبه وحاجاته، والإسراف فيها، بل والعيش لأجلها والتمحور حولها، حتى يكبر ويطغى فتتضاءل مساحات العقل والروح، فيصدق على مثل هذا الحال الوصف القرآني {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}.

يطغى الجسد ويسيطر على العقل، وتئن الروح وتضعف تحت سطوته، فتصبح أهداف الإنسان في حياته تدور حول الأكل والشهوة والتنعم في الملبس والمركب، والعناية بتجميله وتحسينه وتزيينه.. وتصبح المفاضلة بين الناس قائمة على الجسد، على الصورة، على العطاء المادي الضئيل الفاني من ألوان الطعام، وغيره من مطالب الجسم.. {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن}.

والإسلام دين الفطرة، دين يحقق للإنسان توازنه في الحياة، دين يرتقي به، ويغرس في وجدانه قصر الدنيا، وأنهامرزعة للآخرة، ويغذي عقله، ويركز على روحه، لكنه في الوقت ذاته، لا يقطعه عن العالم في محاريب للتبتل، ذلك أنه دين الله الذي جعل ابتلاء الإنسان في هذه الأرض أن يعيش وفق قيم الحق، أن يخالط الناس ويحقق من خلال ذلك الإعمار والإصلاح.. لذا فإنه لم يحتقر مطالب الجسد، بل نظمها ولباها ووضع لها الضوابط التي تكفل السعادة وعدم اضطراب الحياة..

حذر الإسلام من الإسراف، ووصى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالعدل، وقد أقر ما وصى به سلمان أبا الدرداء – رضي الله عنهما- عندما قال: "إن لجسدك عليك حقا ، ولربك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فصم وأفطر ، وصل وآت أهلك ، وأعط كل ذي حق حقه".

ويأتِ رمضان ليرتقي بالإنسان فوق سطوة الجسد، وهو البلاء المنتشر بين بني آدم، ليعلم المسلمين أن يتحكموا في رغائبهم الجسدية، فتتنفس الروح وتنهض فيما يتضاءل الجسد، {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

وفي زماننا هذا وقد احتوشتنا الفتن، وأصبح الوقوع في الحرام – وليس فقط الإسراف في المباح- بضغطة زر، وانتشرت ثقافة عامة تُهوّن من الفواحش، وتعتمدها كسلوك عام ومقبول، وأحيانا مرغوب للحياة.. يأتِ رمضان كطوق نجاة، واحة سلام يستظل في نخيلها الوارف المسافر المجهد الذي كاد أن يهلك.. لنخرج جميعا من العفلة، وتسمو هذه الروح ونستشعر متعتها، ولذة القرب من الله التي لا تعادلها لذة.

صيام النهار، وقيام الليل، ونفحات الليالي العشر، وكثرة الذكر والتفكر والأعمال الصالحات، كلها تقيمك من العثرة.. تشد من أزرك، وتأخذ بيدك على طريق العفة.. تنير عقلك وتشحن روحك، فتدرك أن العفة ليست مريرة، بل المرار والسقم في الفواحش ما ظهر منها وما بطن..

فالخسارة الحقيقية أن تدع هذه الفرصة، فرصة أداء فريضة الصيام تمر دون عناية بروحك، وأن تترك جسدك يطغى عليك أيضًا، وكأن ساعات النهار مجرد وقت مستقطع للنوم والتململ، يعقبه انغماس في أوحال الشهوات، وملء البطون والعيون وتأجيج الفتن والتطلع لمفاتن الدنيا.
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا