نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

الأحد، 13 يناير 2019

مبروك.. "قصفت جبهته"!


نشأ المصطلح على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما يعلق أحدهم على منشور أو تغريدة، أو حتى يرد على رد لآخر، بشكل يراه البعض "مفحم" أو ساخر، فيصفوه بأنه "قصف جبهة"، ولكنه سرعان ما انتقل إلى الحياة الواقعية، فلم يعد غريبا أن أن يتناقش شخصان في أي أمر، فيعلق أحدهم على كلام الآخر بما يُعتبر "قصفا للجبهة"، وخاصة إذا كان تعليقا مازحا فيه تقليل من الشخص أو إظهار لتناقضه وضعفه فيردد أحدهم:"طيرت جبهته" أو "قصفتها".

اللافت هنا أن وسائل التواصل كان المفترض أن تعزز قيمة الحوار بين الناس، وتجعلهم أكثر تقاربا وتفهما لبعضهم البعض، لكن المتتبع لها يلاحظ المسار العدائي للتعليقات والردود، حتى أصبح النقاش والتعليق مثل الحرب التي يتبارى فيها الناس بالمهارات الكلامية، وسرعة البديهة في إحراج الآخر، وكثيرا سبه وشتمه، ليعلن المتفرجون وكأنهم حكام من الفائز ومن الخاسر، من الذي قصف الجبهة، ومن الذي طارت جبهته!

والجبهة هي مقدمة الرأس، وهي أشرف ما في الإنسان، وكناية عن عزته، لذا فهي من مواضع السجود الأساسية، فلا تنحني إلا لله لإظهار الذل والافتقار لجلاله وعظمته سبحانه.

فتخيل أن إنسانا قٌصفت جبهته، فإنه ليس فقط يتردى قتيلا في الحال، بل إن رمز شرفه وكرامته تعرض للمذلة أيضا، فالأمر يتعدى حتى فكرة المعركة والفوز والانتصار إلى الإذلال والامتهان.

ويشيع استخدام مصطلح "جبهة القتال" في الحروب للدلالة على مقدمة الجيوش، مما يبين أن هذه الجملة الشائعة "قصف الجبهة" تحول التعليقات التافهة والنقاشات العادية على فيس بوك وتويتر ويوتيوب إلى معارك.

وعندما يتحول النقاش إلى معركة، فلا يستمع أحد إلى الآخر، ولا يستعد أحد لتقبل وتفهم وجهة نظر، أو التلطف في التعبير عنها، فالمعارك لا تعرف إلا الضرب والقصف والاعتداء والغربة في الانتصار، فلا نقاش هنا وإنما تلاسن وتصارع بالكلمات، والأسرع والأشد عنفا وسفولا وتفاهة في الرد يفوز بلقب "قاصف الجبهة".

وقد ترد على شخص بكلام منطقي وبخلق راقي لكن أحدهم يعتبرك قصفت جبهته وأنت لم تقصد ولم تفعل ذلك على الإطلاق، فيوغر صدر الآخر، ويحول دفة الحوار من نقاش أو تعليق إلى عداء شخصي.

ولنا أن نتخيل تأثير مثل هذا التفكير على حياتنا، وكيف يجعل كل شخص أو جهة أشد تسمكا برأيه وكراهية للآخر، فالنقاشات العامة تتحول إلى خلافات شخصية تترك جراحا وثارات لدى أصحابها، ما يتنافى تماما مع وصية القرآن الكريم: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}. الإسراء: 53

وليس هذا مع المؤمنين فحسب، بل هو أمر الله في الكلام مع الناس عموما، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} البقرة: 83

وهذا الهدي القرآني العظيم هو الذي يحقق قيمة "التعارف" {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} الحجرات: 13.

ويفتح القلوب والعقول للتقارب الإنساني والتفاهم وحل المشكلات، فتصبح الكلمات جسورا للتواصل وليست رصاصا وقذائف للجرح والقتل وقصف الجبهات!
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا