الشاشات جعلتنا أكثر فظاظة
حروب التعليقات على الإنترنت
لا شك أن الإنترنت أوجد منذ ظهوره مساحاتٍ من الحرية والتواصل لم تكن معهودة قبله.
فجأة.. وجد الناس أنفسهم أمام لوحة مفاتيح يكتبون ما يشاءون دون رقيب أو حسيب، بل وحتى دون أن يكشفوا عن هوياتهم الحقيقية.
وكانت
من الظواهر النفسية والاجتماعية الملحوظة هي حالة الغلظة والتطاحن في
المنتديات الحوارية، وتعدي الاختلاف في وجهات النظر إلى سب وطعن وقذف، ولم
تسلم حتى تلك المنتديات التي تحمل وسم "إسلامية" من هذه الحروب الكيبوردية.
وكنت
دائما ما أتخيل أن هؤلاء المتحاربين خلف الشاشات، لو تعرفوا على بعضهم
البعض في الحقيقة، أو كانوا يتناقشون وجهًا لوجه لخفت حدة الغضب، ولراعوا
ألفاظهم وكانوا أكثر لياقةً وتهذيبًا.
وكلما تطورت المواقع والتطبيقات، كلما زادت الحرية، ومع الأسف في كثير من أشكالها كانت ترتبط بالفجاجة والغلظة.
واليوم..
لم يعد مستغربًا أن تطالع حروب التعليقات والهجمات والهجمات المضادة على
الفيس بوك، بين أناس في الأغلب لا يعرفون بعضهم البعض.
ذات
مرة قرأت تعليقًا شديد الفظاظة، مليء بالسب من شاب على منشور لرجل في عمر
والده، أعرف كلاهما، ولا يعرفان بعضهما البعض.. كان الخلاف في الرأي يحمل
جذورًا سياسية، لكن الشاب لم يكتف بالسباب، بل قام بمشاركة المنشور الذي
أغضبه على صفحته داعيًا متابعيه وأصدقائه إلى مشاركته سب الرجل في
التعليقات والرسائل الخاصة، وقد وجد العشرات ممن يشاركونه التوجه والفعل
غضبًا من كلمات وأفكار ذلك الرجل.. ووسط ضيقي واختناقي من هذا السلوك
الشائن الجامح، تخيلت لو أن هذا الشاب التقى بذلك الرجل في الحياة الفعلية،
تخيلت كم سيكون مؤدبًا معه ومحترمًا وموقرًا.. وكم سيندى جبينه من سلوكه
الفيسبوكي معه، وإن كان رافضًا لكلامه، أو مختلفا معه في أفكاره.. ولكن هذا
العالم الافتراضي قد يسلب البعض إحساسهم بإنسانية الآخرين.
من
الحالات الهزلية السوداء أيضًا ما يدور في تعليقات يوتيوب، والتي تشهد في
الغالب صراعات عنصرية بلهاء بين أشخاص من دول مختلفة، ففيديو سيء لمطرب أو
ممثلة مثلاً قد ينشب بسببه تعليقات في غاية السوء ممن ينتمون لنفس الجنسبة،
لتبدأ الاتهامات المتبادلة.. والتي لا أساس لها، فقط للانتصار الكلامي
وحسب.
توفر
هذه المواقع خاصية الإبلاغ عن تعليق مسيء.. أو حساب مسيء، لكن هذا الأمر
أيضًا غالبًا ما يستخدم في غير محله، فيتم الإبلاغ لإغلاق حساب لشخص غير
متوافق فكريًا أو سياسيًا.
لم
أعد أتجاهل الأمر كما كنت في السابق، فعندما أرى حربًا ناشبة في
التعليقات، حتى ولو تعليقًا على خبر في موقع صحفي.. أصبحت أقتطع من وقتي
دقيقتين لكتابة تعليق يوبخ المتحاربين، ومذكرًا بأهمية التهذيب والارتقاء
في اللغة والأسلوب.. هذا أقل ما يمكن أن تفعله كمستاء من هذه الحالة
السخيفة، والتي تضر بالنقاش أيضا.. حيث تأخذه لمنطقة شخصية وغير موضوعية.
كظم
الغيظ وحسن الخلق عادات يجب ألا ننساها على الإنترنت، وليس معنى أنك
التقيت بسفيه، أو وجدت من يشتمك ويبالغ في سبك أن تباريه في بذاءاته، لن
تستفيد شيئا إلا أن تدني من قدرك، وتزيد الفضاء اتساخًا وضوضاء.. الر د
المهذب ليس ضعفا بل يظهر الفارق الأخلاقي، وغالبًا ما يجعلك أكثر إقناعًا،
على الأقل لدى العقلاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق