"وهل نجازي إلا الكفور"
حتى لا ننال جزاء سبأ
يضرب
الله الأمثال في كتابه العزيز للعبرة، فعندما تتأمل المثال وتستحضره كأنك
عشته، فإنه يصبح كتجربة حياتية لك تتعلم منها، وتتقي أخطاءها، فالأمثال
والقصص القرآني ليس للتسلية، وليس لتسقطه على الآخرين، وإنما يجب على
المؤمن عندما يستمع إلى القرآن وكأنه أنزل عليه، ففي النهاية سيحاسب كلٌ
منّا فردا.
ومن
الأمثال والقصص العظيمة التي ضربها الله لنا في كتابه، قصة سبأ، تلك
القرية المحاطة بالنعم، أمن ورزق وطبيعة خلابة، وهي مثال لكل القرى
والأفراد، وترشدنا لمعانٍ في غاية الأهمية، فتعالوا لنتدبر الآيات:
قال تعالى: {لَقَدْ
كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ
كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ
غَفُورٌ} سبأ: 15
تخيل معي بلدة محاطة بالخضرة والجمال، والرزق الوفير، زرع كثير وماء، رزقهم بجانبهم، يسير طيب مبارك فيه.
بداية
الأمر الإلهي التمتع بالنعمة "كلوا من رزق ربكم".. فالله هو الرزاق
الكريم، وكل من يحرم نعمته الطيبة التي أحلها لعباده مخالف لمنهجه وأمره.
"واشكروا
له" هذا هو القانون الإلهي لاستمرار النعم وزيادتها، إنه الشكر، والبعض قد
يظن جهلا أن الله يحتاج لشكرنا، وهو جل في علاه الغني الحميد، هو حميد في
ذاته وإن كفر به كل الخلق، وهو غني عنهم جميعا وهم الفقراء إليه.
الشكر
هو الحالة الوجدانية التي ترقي الإنسان وتنميه وتجعله مبصرا مستشعرا للنعم
والطيبات من حوله، والآن في الغرب هناك تركيز على فكرة الامتنان، ويربط
كثير من علماء النفس الإيجابي بين أن تكون ممتنا وبين زيادة السعادة في
نفسك والسهولة واليسر في حياتك، لكنهم يتخبطون فيوجهون هذه المشاعر مرسلة
إلى الكون!
ونحن
كمسلمين نعرف رب هذا الكون الذي يحيطنا بالنعم، ونتوجه إليه أحدا صمدا
بعبادة الشكر والامتنان، موقنين بكلامه:"لئن شكرتم لأزيدنكم".
الشكر
يجعلك تفتح عينيك على ما لديك وتمتن لله الذي أنعم به، وهذا بحد ذاته
يملؤك سعادة، فكم من شخص تعيس بحثا عن المفقود وهو محاط بنعم كثيرة لو نقصت
لاختلت حياته، وكم من مكتئب ينظر لما في أيدي الآخرين ويشكو ربه للناس،
وهو يرفل في نعماء الله، ويعيش أحلاما لآخرين.
إن عبادة الشكر بحد ذاتها نعمة عظيمة، ودائما ما يستوقفني هذا الوصف لنعيم أهل الجنة بأنهم "يُلهَمُون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النَّفَس". رواه أحمد وقال الألباني: إسناده جيد.
فالنعم
مهما عظمت بلا شكر لا يتنعم بها صاحبها حقيقة بل ولا يدركها ويلاحظها،
فالشكر هو تمام المنة من الله، أما هو سبحانه فغني عن خلقه {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}. الجاثية: 15.
هذه هي المعادلة في صورة بسيطة ومباشرة: نعمة تستوجب شكر، فتدوم النعمة وتزداد، ويزداد الشكر وهكذا.
وختم الله تعالى الآية بقوله:" بلدة طيبة ورب غفور".. إنها قمة الأمان والإحسان، فحتى وإن قصر الإنسان، وغفل، فالله غفور رحيم، إذا أناب واستغفر غفر له.
فأعرضوا
لكن سبأ لم يشكروا ولم يستغفروا، ووقعوا في فخ الشيطان وهو "الإعراض"، وتأمل
كيف لم يقل القرآن "أذنبوا"، لأنه وكما في الحديث الصحيح " كل ابن آدم
خطاء وخير الخطائين التوابون"، فالعقوبة ليست بسبب الذنوب وإنما بسبب
الإعراض، وفرق كبير بينهما.
فالإعراض هي حالة من كفر النعمة عن عمد!
إصرار على اتباع كبر النفس وتعاميها عن إدراك الحياة إدراكا صحيحا.
"أعرضوا".. هي حالة مركبة، إعراض عن الشكر، وعن الاستغفار، وعن الرقي، بل وعن الإدراك! حياة بهائمية أكل وشرب وتقلب في الأرض دون تفكر وشعور.
فكان الجزاء {فَأَعْرَضُوا
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم
بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ
مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي
إِلَّا الْكَفُورَ}.
قاعدة
قرآنية ثانية "وهل نجازي إلا الكفور:، تطمئن الشاكر لأنعم الله بأن النعم
محفوظة وفي زيادة، فالجزاء مرهون بكفر النعمة والإعراض.
لكن
العقوبة من الله الرحمن الرحيم اللطيف بعباده لم تكن عقوبة قاصمة، ونحن
نرى هذا في حياتنا كثيرا، كم من ابتلاءات نصاب بها لنتذكر ونصحو من حالة
الإعراض، لندرك النعم التي كنا فيها ونقدر ما تبقى منها بأمل في الله تعالى
أن يردها ويتمها.
{وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا
آمِنِينَ}
مازالوا آمنين، ومازال لديهم سبيل للرزق، مع بعض المشقة، لعلهم يتذكرون ويلومون أنفسهم.
لكن
سبأ استمروا في حالة الكبر، ولم يدركوا النعم مجددا، ودخلوا في حالة تسخط
على الله، بدلا من الندم على سلوكهم هم، وكم نلوم الآخرين، ونلوم القدر،
ولا نلوم أنفسنا، ولا ندرك خطأنا.
{فَقَالُوا
رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
جاء العقاب القاصم عافانا الله جميعا.
هذه
الآيات العظيمة هي مثل لك، على مستواك الشخصي، إنها قصة كل إنسان منّا على
مستواه الفردي، وليست قصة القرى والأمم فقط.. فكر فيها اليوم بشكل فردي،
كم من نعمة تحيطك، كم يسر وبركة في حياتك، هل أنت معرض عن رؤية النعم
وشكرها لأنك تركز على المشكلات؟..
هل تعتبر أن النعم في حياتك أمر طبيعي لا يستوجب الشكر؟
فكر في نفسك.. صحتك.. عقلك.. أهلك.. أمانك.. بلدك، كل هذه النعم هل أنت مدرك لها.
وماذا
عن النعم التي أصبت فيها، وقلت لديك، كمرض أو مشقة أو قلق، هل تشكو حالك
ليل نهار، ألا ترى ما تبقى منها، ألا تدرك كم لطف الله بك فيها؟، ألا تدرك
أن فرصتك للشكر باقية لاسترداد ما ذهب والتنعم بما بقي؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق