نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

الجمعة، 18 يناير 2019

عشها ببساطة.. تُمسك السعادة

هناك من يصنع من الليمون الحامض شرابًا حُلوًا، فيروى ظمأه، وتتجدد دماؤه..

وهناك من ظل يُحلل في الألماس حتى اكتشف أنه فحمًا.. ففقد رونقه وقيمته..

الدنيا مطبوعة على كدر، إذا دققت فيها، وتعاملت بشك زائد، ونظرة فاحصة محللة لكل أمورها، لن تجد إلا العناء وضيق الصدر، وستتحول العصبية إلى سمة لحياتك وعلاقاتك.

أما إذا قررت أن تعيشها ببساطة، وتأخذ ما صفا، وتركز على ما تيسر، فستعرف طعم السعادة التي يلهث خلفها كل البشر.

قد يعتقد البعض أن هذه الطريقة تنم عن ضعف وقلة طموح، بينما هي في الحقيقة قمة القوة..

أيهما أقوى وأذكى.. وأكثر طموحًا:

من يبحث دومًا عن نقاط القوة فيستثمرها ويزيدها ويستغلها ويسعد بها؟

أم من تلتقط عينه العيوب والنقائص فينتحب ويرفض ويشعر بالقلة والحرمان؟

وانظر إلى حال نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرِهه تركه" متفق عليه.

هذه الطريقة النبوية الشريفة لا تظهر فقط حسن الخلق العظيم، وحسن القول، ورقي الفعل، وإنما تُظهر أيضًا التفكير العملي.

فماذا يستفيد من يعيب الطعام مثلا ويمتلأ بإحساس الرفض حول ماديات الحياة من حوله؟.. هل يجني إلا تعاسة فوق التعاسة؟..

ما أثبته علم النفس الحديث أنه كلما وصفنا ما نحن فيه من سوء كلما ازداد إحساسنا به وتأثرنا.

وقد يقول قائل إنه من الطبيعي أن يدرك الإنسان الأمور من حوله، وألا يظل متقبلا لما هو موجود.. وفي هذا مغالطة كبيرة، ففرق بين الإدراك والتدقيق، وفرق بين البساطة والعملية في التفكير وبين الغفلة والتراخي.. لا أحد يدعو إلى الغفلة، وإنما إلى التغافل، إلى التركيز على المتاح بدلا من الثرثرة المقيتة في وصف السوء.

إن المدقق المحلل الذي لا يأخذ الأمور ببساطة، من الصعب جدًا أن يسعد بحياته، أو ينجح في علاقاته.. فأي علاقة تلك التي تكمل؟.. وأي صحبة تلك التي لا غبار عليها؟..

إذا كان الزوج مدققا فإنه ومهما بلغ حُسن زوجته وما بها من مميزات ستنغص عليه العيوب – التي لا يخلو منها بشر- حياته معها.. لأنها يضخم دوما السيء، ويعطيه حجما أكبر من حجمه.

وكذلك الزوجة التي دائما ما تُحلل كلمات زوجها وتصرفاته، وتبحث عن الدوافع الخفية وراءها، وما يمكن أن تستنتجه منها، فإنها تظل دوما في شك لا ينتهي، لا تُصدق حبه، ولا تستمتع بحسن عشرته، بل إنها لو اطلعت على قلبه فرأته يحبها ولا يحب غيرها فسيفسد عليها التحليل الدقيق هذه الحقيقة ويدخل إليها بمداخل الشك والاحتمالات.

إن الكثير من البشر يضيعون أعمارهم في دوامات الكلمات، التي يسمحون لها بالسيطرة عليهم، بدلا من أن يسيطروا عليها.. فتجد الواحد منهم يظل لسنوات طويلة، وأحيانا حتى يدركه الموت، يشكو من علة أو نقص، ويتحسر على عمره المنقوص.

أما أولئك السعداء فاختاروا أن يكونوا عمليين في تفكيرهم وسلوكهم، تماما مثل النحلة، فإنها تبحث عن الرحيق لتمتصه وتخرج عسلا مصفى، فيه لذة وشفاء، على الرغم من أن هذه الزهرات التي حوت الرحيق كانت مليئة بالشوك أيضًا.. لكن النحلة لم تلتفت يوما لهذا الشوك.

ومن أعظم ما يعين الإنسان على هذه البساطة، وبلوغ السعادة، إيمانه بأن الجنة حق، قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون}. الأعراف: 32. . قيل: خالصة من الشوائب.

وفي قوله "وأتوا به متشابها"، قال بعض المفسرين: أي خيارا لا رذل فيه ، وإن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها ، وثمار الجنة خيار كله ، لا يرذل منه شيء.

وهكذا نعيم الجنة كله، صافٍ رائق مكتمل الروعة.. لهذا فإن حواسنا تتضاعف في قوتها، ليتم النعيم، أما في الدنيا فإن الله تعالى خلق لنا هذه الحواس بقدر معين في قوتها حتى نستطيع العيش، فلو أن عيوننا كانت بقوة عيون الطيور الجوارح لما استطعنا شرب الماء لما به من شوائب، ولما التذذنا بأي منظر.. وكذلك لو رهفت أسماعنا لأفسدت علينا الأصوات حياتنا، وما استطعنا التركيز في شيء أو الاستمتاع بصوت حسن.. فلماذا نتتبع مالم نكلف في حياتنا الاجتماعية والنفسية؟.. ولماذا نسأل عن أشياء إن تُبد لنا تسؤنا؟..
تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا