نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

الجمعة، 18 يناير 2019

"وزلزلوا زلزالاً شديداً"

حالتان فريدتان من حالات النفس الإنسانية ترسمهما آيات القرآن الكريم بصورة موحية ومعبّرة حتى يكون أمام القلب الراغب في الوصول إلى مرضاة الله تعالى الطريق بيّنة مما يمنحه فرصة الاختيار الحقيقي ما بين أن يكون قلباً مؤمناً مطمئناً واثقاً في موعود ربه أو أن يكون قلباً زائغاً مشوشاً محروماً من الاتصال بالمعين الصافي للرحمة والحكمة.

لم تكن واقعة الأحزاب التي مرّت برسول الله صلى الله علسه وسلم وأصحابه المؤمنين من المهاجرين والأنصار تتعلق بالمواجهة العسكرية بين الجيوش أو القتال والحرب المباشرة بين معسكري الكفر والإيمان فحسب، وإنما كانت أيضًا صراعاً خفياً بين ما قد استكنّ في الضمائر والأفئدة من يقين أو شك ومن إيمان أو نفاق من جهة وبين تداعيات عدو الخوف بل الفزع الجاثم والخطر المحدق والزلزال الشديد من جهة أخرى.

لقد وصف الله تعالى في محكم التنزيل هذه اللحظات التي صاحبت هذه المواجهة بأنها كانت ابتلاء بالنسبة للمؤمنين ولكنه ابتلاء من نوع خاص فهو "ابتلاء الزلزلة الشديدة"، كما قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}، فالحرب لم تكن حرب الكرّ والفرّ والضرب والطعان والمبارزة وإنما كانت الحرب حرب قلوب عامرة باليقين في موعود الله تعالى مع حالة الخوف والقلق والترقب.

وفي هذه الواقعة النادرة ذات الإيحاءات الجليلة، يكشف ربنا تبارك وتعالى عن نفوس المنافقين والذين في قلوبهم مرض حيث يؤكد أن هذه النفوس بمجرد أن تلمح الخوف يأتي من بعيد إذا بها تصاب بحالة من فقدان الاتزان التام وصفه القرآن في قوله تعالى {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت}، إنها إذن دلالة واضحة للغاية لهذه النفوس المضطربة المشوشة الفارغة من كل إيمان أو يقين إن العيون تدور وهذا يعني عدم القدرة على تثبيت النظر لأن كل شيء مشوش فلا حقيقة راسخة عميقة يمكن الاعتماد عليها ولا ولي أو نصير يمكن الفزع إليه والاطمئنان بذكره واستحضار معيته والثقة في حكمته وعفوه.

وهذه نفوس المنافقين ترتسم ملامحها وتفاصيلها أمام أعين المتبصرين في آيات الله عز وجل لكي لا يكون لهم عند الله حجّة إذا لم يبذلوا كل جهودهم من أجل أن ينقوا أنفسهم ويصفوا ذواتهم ويجاهدوا أنفسهم لكي لا يكونوا أمثالها، نفوس لم تتوقع البلاء ولم تترقب الامتحان وظنّت أن الله تعالى تارك الناس على ما هم عليه بدون أن يداهمهم بالخطر ويفجأهم بالفزع ويمحص ما في صدورهم بالخوف، فلم تستعد نفوس المنافقين لهذه الفتنة الاستعداد الواجب وإنما وبمجرد أن داهمتها المحنة لم تفكر إلا في أمر واحد لا ثاني له وهو الفرار، وهنا يردّ القرآن على الجميع ذلك الرد القاطع الحاسم {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً}.

إن نفوق المنافقين لم تحسم حتى الآن وهي غير عابئة بأن تحسم حقيقة "مالك الضر والنفع" وتظنّ أن قدرتا على الفرار من الخوف ممكنة وأن إمكانياتها في البحث عن المخارج باقية، فترى نفس المنافق ملتاعة ملتاثة في أوقات الفزع وكأنها ريشة في مهبّ رياح عاتية أو قطعة خشب طافية على السطح تتقاذفها أمواج محيط عارمة، تسعى للفرار مما تظنّ أنه الضرر فإذا بها ترتكس فيه بصورة أكبر وتحاول الاقتراب مما تتصور أنه النفع فإذا بها تبتعد أكثر وأكثر عن هداية الله، قال سبحانه {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة}.

وعلى الجانب المقابل نجد نفوس المؤمنين ذات سمة خاصة عجيبة جدية بالتأمل فهي نفوس أدركت وأيقنت أن الله لم يكن ليتركها بلا اختبار، نفوس لم ترتعب من فكرة الامتحان ولم تنزعج من مبدأ الاختبار، وعلمت أن توقعها لهذه الفتنة وترقبها لهذه المحنة ليس من قبيل ما قد يتصوره البعض "تشاؤماً أو يأساً أو سلبية" وإنما كان هذا التوقع للفزع وهذا الترقب للخوف من باب التصديق واليقين في وعد الله ورسوله وكان العامل الفارق بالنسبة لها و أن تتزود قبل هجوم المحنة بالتقوى وأن تستعد قبل حضور الفزع بالثبات والتسليم والتقرب إلى ذي الجلال والإكرام، ووصف الله هذه النفوس بقوله {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.

ما أطيبها من نفوس عندما ترى هذا القدر الهائل من الفزع وعندما تزلزل هذه الزلزلة الشديدة تتذكر ببساطة وبيسر وبتوفيق من الله أنها كانت تعلم وتترقب وتنتظر ولا تهرب من مواجهة الفكرة، كانت تتوقع أن يأتي الخوف وكانت توقن أن المحنة قادمة، وكانت تثق في أن الله بحكمته واقتداره وإحاطته قد تأذن بأن يرسل المخاوف والقلق كجند من جنوده للتمحيط والابتلاء، وبالتالي عندما أتى هذا الأمر الجلل قالت هذه النفوس المؤمنة إنها كانت تعلم وتصدق الوعد الصادر عن الله ورسوله وها هي لا تبحث عن الفرار أو الهرب وإنما همها الأول وشاغلها الشاغل أن تصدق الله ورسوله وأن تعتصم بالإيمان والتسليم وتتخذهما حصناً حصيناً تتحطم على صخرته أمواج القلق والفزع والخوف.

تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا