نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

الخميس، 17 يناير 2019

"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم"

"الزيغ" لغة هو الميل.

جاء في لسان العرب: زاغَ عن الطريق يَزِيغُ إذا عدَلَ عنه.

وزاغتِ الشمسُ تَزِيغُ زَيُوغاً، فهي زائِغةٌ: مالَتْ وزاغَتْ.

وفي تاج العروس: زاغَتِ الأبْصَارُ أي : مالَتْ عن مَكانِهَا كما يَعْرِضُ للإنْسَانِ عِنْدَ الخَوْفِ.

ويعرف علماء البصريات الزيغ بأنه: خطأ في الصورة، وحيود عن الوضوح ينتج عنه صورا شبه مهزوزة وغير واضحة.

وفي لغتنا الدارجة نستخدم هذا اللفظ بما يدل عل معناه الأصلي، فعندما ننسب لشخص فعل الزيغ، فنقصد أنه يهرب من المكان أو الموضوع الذي من المفترض أن يكون فيه.

وفي القرآن الكريم – كما قال أهل التفسير- يُقصد بالزيغ الميل عن الحق.

وقد جاء في عدة مواضع، منها ما يتعلق بالبصر كقوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ}. الأحزاب: 10

فدلت على شدة الخوف الذي أثر على استقامة الرؤية ووضوحها.

وقوله تعالى – في تخاصم أهل النار- : {أتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ}. ص: 63.

وقوله عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}. النجم: 17

وهو ينفي النقص والزيادة والشطط والتشوش عنه صلى الله عليه وسلم فيما رآه وحكاه في قصة الإسراء والمعراج، ثم يثبت له الرؤية الصحيحة {لقد رأى من آيات ربه الكبرىٰ}. النجم: 18.. فما رآه لم يكن تخييلا ولا وهما وإنما حق أراه الله له بلا ميل ولا طغيان.

وجاء الزيغ في القرآن متعلقا بالقلوب، كقوله تعالى في اتباع الشبهات والمتشابهات: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} آل عمران :7.

وقوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}. آل عمران :8.

والآية التي نتلمس نورها الآن {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. الصف: 5.

تأمل في هذه الآية العظيمة والتي تجعل قلب المؤمن وجلًا ويقظًا.. "لمّا" أداة شرط، فإذا تحقق فعل الشرط "زاغوا" أي عندما يبدأون هم بالميل عن الحق والبعد عنه والهروب منه، يأتي جواب الشرط "أزاغ الله قلوبهم".

إنه سبحانه وتعالى قريب ودود، حليم كريم، لا يعاجل عباده بالعقوبة، يغفل الإنسان فيرسل له الذكرى، يسرف فيفتح له باب التوبة، يدبر فينعش قلبه بالبلاء تارة وبالنعماء أخرى، ولكنه عزيز، ودينه عزيز، وكتابه عزيز، فإذا ما أصر الإنسان على الميل، وتراكم الران على قلبه بما كسب، أصبح الزيغ متلبسا به، ليس فقط في أفعاله، وإنما أصبح صفة لقلبه.

ولنتأمل في أنفسنا..

كم من إنسان يعصي ويبتعد عن الله وهو يظن أنه في مأمن، ليس فقط من عقاب الله الأخروي، بل يعتقد أنه في مأمن من تغير قلبه وفساد دينه.. لكن زوغان حاله، وميل أعماله وأقواله تؤثر على قلبه، فيبدأ في التشكك في دينه.

من أكثر الفخاخ التي ينصبها الشيطان شيوعًا أن يشعر بني آدم بأن الأمر بسيط، والإيمان في مأمن، يلبس عليهم الصورة رغم وضوح الحق فيضعهم على طريق الزيغ.

إن إخوة يوسف وهم يهمون بقتله أو التخلص منه هونوا على أنفسهم الجرائم في حق الأب والأخ، وظلمهم لأنفسهم، باعتقاد أنهم يسيطرون على الأمور، { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} يوسف: 9.

هكذا يتكرر الأمر كثيرا، هذا الخطأ ثم أعود، هذه المرحلة من عمري ثم سينصلح حالي، هذه الأمور من اللمم لكني لا أقرب الكبائر، وهنا يتفنن الشيطان في الاستدراج، فهو له طريقة لا يغيرها، أخبرنا بها الله تعالى لنحذر إنها طريقة "الخطوات"، لا يباغتك الشيطان أبدا بالتفكير في كبيرة أو شرك وخيانة، وإنما يبدأ من أقرب نقطة يسهل عليك اجتيازها، ويتوالى الزيغ ويستمر الميل حتى يجد المرء نفسه في أبعد نهاية لم يكن ليتصورها يوما.

إننا نسأل الله تعالى في كل ركعة من صلواتنا الخمس بأن يهدينا الصراط المستقيم، والاستقامة هي الحالة العكسية للزيغ، فهنا وضوح وهناك ميل، هنا ثبات وهناك تخبط، هنا سلام وهناك قلق، "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".

تابع إنسانية نملة على الفيس بوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا