قديمًا قال المتنبي في شأن علو الهمة:
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها*** وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ.
فالهمة
العالية، كأي توجه أو سلوك، تبدأ من العقل، من القناعات التي تتحول إلى
عادات، فصغير النفس ضيق الأفق يضخم التفاهات، بينما عال الهمة يقتحم
الصعاب، ولا يرنو إلى إلا المعالي.
تخيل ماذا يحدث للجهاز العصبي للإنسان عندما يضخم الأحداث من حوله باستمرار..
تخيل شخص يحسب كل صيحة عليه، ويحمل الكلمات والأفعال على محمل شخصي.
تخيل حجم الإرهاق، والتوتر، والضيق الذي سيصبح عنوانا لحياته.
تخيل
الأرق الذي يتسلط على إنسان عندما يخلد إلى النوم تتابع على رأسه أحداث
يومه فيحللها ويضخمها، فيتمكن منه القلق وربما الغضب، ويهرب منه النوم
وسلام النفس.
لا
أعتقد أن البشرية في عصورها المتطاولة عاشت مثل هذه الحالة من التهويل،
فالدراما لم تسرق أوقاتنا فحسب، بل أعادت تشكيل عقولنا وتصوراتنا للحياة،
فأصبحت المبالغات والتوقف عند أصغر الأمور شيئا معتادا، بل ربما يشعر البعض
أن الحياة لا تحلو إلا بتضخيم أحداثها، ويصفون من لا يفعل هذا بالبرود أو
الغفلة.
ويبدأ
التهويل في تفسيرنا للأحداث، والذي تنبني عليه مواقفنا وردود أفعالنا، في
العلاقات الزوجية يبدو الأمر واضحًا، حيث يتم إطلاق الألفاظ الضخمة على
الأشياء بلا حكمة ولا إنصاف، فالزوجة إذا اطلعت على محادثة لزوجها - مثلا-
مع امرأة، فرأت منه بعض المزاح والتساهل، سمته خائنا واعتبرته بلا أخلاق،
وقد تواجهه، وقد يتطور الأمر لطلب الطلاق.. وعلى الرغم من أن تساهل الرجل
في الحديث مع النساء أمرا ذميما ومدخلا للشيطان، لكن هذا السلوك من الزوجة
هو تهويل، وغياب للحكمة، يعرض قلبها وحياتها لآثار غير طيبة.
ويظهر
التهويل في نمط التربية، إذا وجد الأب طفله ذي الثلاث سنوات يتمسك برأيه،
ويكثر من قول "لا"، اعتبره عنيدا جدا، وهذا تهويل، لأن هذه المرحلة السنية
يُسميها علماء التربية "مرحلة اللاءات"، فهو أمر طبيعي، ولا يُلصق بالشخصية
صفة العند، لكن المبالغة في التقييم والتفسير هي المشكلة.
عندما
يتمكن التهويل من إنسان، يتحول المرض العابر إلى خطر داهم يهدد الحياة،
فيبدو الشخص غريبا ويزيد نفسه رهقا، ويتسبب بتهويله في تفاقم مرضه.
عندما
يتمكن التهويل من الإنسان، ويصبح أسلوبا لحياته، تتحول علاقاته، حتى مع
أقرب الناس إليه إلى ساحة حرب كلامية، في كل يوم أخذ ورد وتفسيرات.
لقد مدح الله عباد الرحمن، وقال في وصفهم "الذين يمشون على الأرض هونًا"..
نعم فالتهوين من أمر الدنيا مطلوب، والتهوين من متاعها مطلوب، والتهوين من
مخاوفها ومصائبها مطلوب، فعباد الرحمن يعلمون أنها قصيرة عاجلة، وكأنها "ساعة من نهار"، فكيف يُهولون أحداثها؟.. وكيف يضخمون تفاهاتها؟.. وهي كلها هينة فانية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق