في
مثل هذا اليوم العظيم يوم عاشوراء، حسمت معركة تاريخية بين الحق والباطل،
وأسدل الستار على قصة طاغية لم تعرف البشرية مثله في الكبر والجبروت، طاغية
استخف قومه فأطاعوه، وزعم أنه ربهم الأعلى.
قصة
موسى وفرعون من أكثر القصص تكرارا في القرآن الكريم، ولا يزال المفسرون
يغوصون في أعماقها ليستخرجوا الفوائد والعظات التي تبهر الألباب.
قصة
القوم المستضعفين الذين من الله عليهم وجعلهم ملوكا على من كانوا يسومونهم
سوء العذاب، قصة الصبر على الأذى والأمل في النجاة، قصة التوكل والثقة في
نصر الله.
قال
علماء التفسير إنها من أعجب القصص؛ حيث أخذ فرعون من موسى كل الحذر، وأرسل
إليه من يقتله رضيعا، فأوحى الله إلى أمه أن إذا خفت عليه فأليقه في اليم،
فكانت بداية موسى في اليم الذي كان نهاية فرعون!.
وسخر
الله عدو موسى الأول ليربيه في بيته وعلى فراشه ومائدته وكأنه أبوه، ثم
كبر الطفل وترعرع وأرسله الله نبيا، فعاد إلى القصر الذي ترعرع فيه ليزجر
فرعون ويحذره.
كم كان مطلب موسى عليه السلام هينا وسهلا على فرعون: "فَأَرْسِلْ
مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ" لكنه لم يفعل وأخذ يتهكم
ويسأل: "فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى
كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"
فيهدد فرعون بالسجن، وهذه لغة الطغاة في كل عصر، فما أبعدهم عن حجج العقل والبرهان والمنطق: "قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ".
من
أعظم الفوائد أن هؤلاء المستضعفين قرروا الفرار بدينهم من الملك الظالم،
فأبى ذلك الملك إلا أن يتتبعهم ليستأصل شأفتهم، حتى وجد موسى البحر أمامه
والعدو من خلفه.
"قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ"
فإذا فالقلوب تبلغ الحناجر ويتمكن اليأس من ضعاف النفوس، لكن قلب موسى الواثق بموعود الله يرد بكل ثقة: "قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ"
فيأتي الجواب من رب العالمين: "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ".
وإذا ببني إسرائيل يمشون بأرجلهم على قاع البحرفسبحانه من يقول للشيء كن فيكون.
ويسير
أعمى البصيرة فرعون خلف المؤمنين بجيشه في قاع البحر الذي شقه الله لموسى
وقومه، وعندما خرج المؤمنون جميعهم، ودخل الكافرون جميعهم أمر الله بحره أن
يطبق عليهم كما كان: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ
مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ".
"فَالْيَوْمَ
نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ، وَإِنَّ
كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ"
يقول
ابن كثير رحمه الله : قال ابن عباس وغيره من السلف : إن بعض بني إسرائيل
شكوا في موت فرعون ، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح ،
وعليه درعه المعروفة ، على نجوة من الأرض ، وهو المكان المرتفع ، ليتحققوا
موته وهلاكه.
إن
يوم نجاة موسى من فرعون يوم فرح عظيم، وما أجمل أن نستشعر هذا المعنى الذي
لم يغب عن ذهن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم أنه
سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت رسول الله
صام يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني عاشوراء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق