احذر
أن يقودك الشيطان إلى الركن الذي يستطيع فيه أن يحتنكك بشكل كامل، ذلك
الركن الذي إن تمكن من حصرك داخله فستكون فريسة سهلة ولقمة سائغة أمامه،
ذلك أن الشيطان إنما يحاول أن يجر بني آدم إلى الجرم الذي وقع فيه واستحق
بسببه اللعنة والطرد من رحمة الله، من الاعتراض على تقدير الله وأمره،
وبالتالي فهو يسعى مع كل إنسان لكي يصل به إلى نفس هذا الركن شديد الإظلام
ركن "الطعن في اختيار الله وتقديره".
ولست
هنا بصدد الحديث عن أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وضرورة الاستسلام لأقدار
الله تعالى والرضا بها بل ومحاولة الشكر عليها، وإنما الهدف من هذه
الكلمات هو محاولة فكّ رموز خطة الشيطان التي يمكنه من خلالها وبالاعتماد
عليها أن يصل بالقلب إلى ركن "الاعتراض على الله".
إن
الله حبيب ورحيم وودود وكريم إلى الدرجة التي تجعلنا فعلا في حالة حب
لأنفسنا ووجودنا وبقائنا لمجرد الإيمان به بل لمجرد التفكير فيه واستحضاره،
وإن البشر إنما يعيشون في هذه الحياة سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين
بفيوض هذا القبس الذي لا يستطيع أن يفرّ منه برّ ولا فاجر والمتمثل في
القناعة اليقينية المركوزة في الفطر كلها بأن الله يدبر الأمر في النهاية
وبأن الله يرجع الأمر كله إليه في النهاية وبأنه إلى الله وحده تصير
الأمور، وبدوون هذا القبس يتخبط القلب ويتوه العقل وينهار الوجدان وتشتعل
النفس حسرة وندماً وفزعاً.
بناء
على الحقيقة السابقة نستطيع أن نرى خطوات الشيطان وهو يحاول جاهداً أن
يسحبنا من هذه النقطة ويلقي بنا في غياهب الغفلة عن فكرة أن الله ربنا ورب
العالمين ومالك كل شيء وعلى كل شيء قدير، إنه يريد أن يجعلنا في اعتراض على
ما يجريه الله من أقدار وما يرتبه من أحداث ووما يقضي به من أمور، هذا
الاعتراض وإن لم تتحرك به ألسنتنا قد يكون متغلغلاً في داخل قلوبنا، وهذا
يكفي الشيطان جداً فهو يعلم أن الله تعالى ينظر في القلب مباشرة وهو يريد
أن يثبت له أن قلب هذا الإنسان ليس شاكراً وإنما ساخطاً معترضاً وليت هذه
الحالة تقف عند هذا الحد، بل إنها تتطور إلى ما لا يمكن تخيله وهو "الغضب
من الله" وبهذا يتفوق الإنسان على الشيطان في درجة الكفران والطغيان.
من
الوسائل الخطيرة التي يعتمد عليها الشيطان في الوصول بالقلب إلى هذا الركن
الموحش الخطير أنه يبدأ في جعل الإنسان يمقت نفسه ويكره ذاته ويشعر بحالة
من المفارقة لقلبه وروحه وكأنه يعيش رغماً عنه وأنه لا يرى لوجوده أي معنى
سوى المزيد من الألم والخوف والحزن، وكلما أصبح الإنسان أكثر مقتاً لنفسه
كان أكثر استعداداً وميلاً للغضب من ربه والتسخط عليه والاعتراض على
أقداره، قال تعالى: {يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}. غافر: 10.
الخلاصة
أننا نريد أن نعلنها مدوية في وجه كل شيطان، نعلنها صرخة واحدة من مقطعين:
(نحن راضون عن الله.. نحن نحب أنفسنا)، إننا باستحضار إيماننا بالعليم
الحكيم الودود المجيد لقادرون على أن نعلو فوق كل الآلام والمحن والمخاوف،
وأن نعيش هذه الحياة في حالة من الاستسلام والرضا للرب وحالة من الوئام
والحب لذواتنا وبهذا نكون أهلاً لفيوض الخير والرحمة والعفو ونملك السيف
والدرع في مواجهة نزغات الشيطان، قال تعالى {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون}. المؤمنون: 97.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق