يشعر
بعض الأبناء بالفشل في إسعاد آبائهم وأمهاتهم الذين كبروا في السن، وقد
يبذلون جهودا جميلة لإدخال السرور عليهم ولكنهم لا يشعرون بأن محاولاتهم
مجدية، إحدى الصديقات كانت مهمومة جدًا لأن خالتها المسنة والتي قضت أغلب
عمرها في قرية ريفية بسيطة، ومات زوجها، وليس لديها أولاد، ترفض أن تبيت
عندها رغم حرصها وزوجها وأولادها على إسعادها وحُسن معاملتها، وتقول لها
دومًا الجملة الشهيرة:" لا أحب ترك بيتي، ولا أستطيع النوم إلا على سريري".
وما
أوقع صديقتي في حيرة شديدة أن خالتها وبعد إلحاح وافقت أن تذهب معهم في
رحلة شاطئية مدتها أسبوع، كانوا يتوقعون أن يرون الفرح في وجهها، ويشعرون
بأن هذا التغيير جدد حياتها، ولكنها كانت طوال الرحلة متململة، شاردة،
تنتظر بفارغ الصبر العودة إلى البيت، لم تحب الخروج الليلي رغم أن صحتها
بشكل عام جيدة، ولم تندمج مع ألعابهم وزوارهم، مما جعل صديقتي تعتقد بأن
خالتها العزيزة والتي تحبها كثيرا تعاني من حالة اكتئاب.
ولكن
الحقيقة أن خالتها لم تكن تعاني من الاكتئاب، فلطالما سعدت بزيارتهم لها،
وهي في بيتها مواظبة على تلاوة القرآن، والتواد مع الجارات، ولها طقوسها
اليومية، وعنايتها بنفسها وبالمنزل.
الإشكالية
هنا هو أننا نطبق مفردات سعادتنا على الآخرين، على الرغم من أن أسباب
السعادة تختلف كثيرا حسب اختلاف الأشخاص، وتتغير وفقا للثقافات، والظروف،
والشخصيات، والسن كذلك.
الأبحاث تكشف السر
السن
عامل مهم في تغيير مفهوم السعادة، وهو ما أظهرته دراسة أجريت في كلية
دارتموث الأمريكية، حيث وجد الباحثون أن الشباب يفضلون التجارب
الاستثنائية، وكسر الروتين، لاعتقادهم بأن أمامهم مستقبل طويل، أما كبار
السن، فيفضلون التعمق في التجارب العادية، وإيجاد السعادة في الحياة
اليومية المستقرة لاعتقادهم بأن وقتهم محدود.
وقال
المشرف على الدراسة الأستاذ المساعد في قسم التسويق " أميت بهاتاتشارجي"
أن الشباب يبحثون عن التجارب الاستثنائية والخبرات الجديدة لأنهم يسعون
لمعرفة ماذا يريدون، وتكوين هوياتهم الشخصية، وكلما أصبح الناس أكثر
استقرارا، أصبحوا أكثر تقديرا لأنفسهم، وأصبحت التجارب العادية تقوي شعورهم
بذواتهم وتمنحهم مزيدا من التقدير.
وتأتي
هذه الدراسة مؤيدة لدراسات سابقة توصلت إلى أن مفهوم السعادة يتغير مع
مرور الوقت، فمشاعر الشباب تميل إلى الحماس، بينما يريد كبار السن الحصول
على دفعة أكبر من الارتياح والسلام والهدوء.
وبلا
شك فإن كبار السن ليسوا نمطا واحدا، ومما لا شك فيه أن طبيعة شخصياتهم
تؤثر أيضًا على شعورهم بالسعادة، ولكن المهم ألا تعتقد بأن الأشياء التي
تمتعك وتُشعرك بالسعادة هي بالضرورة ما ستجعل والديك أو أقاربك من كبار
السن سعداء.
وبالطبع
أكدت على صديقتي ألا يعني هذا ألا تدعو خالتها دوما لزيارتها، فهذا بحد
ذاته يُشعرها بالمحبة والتقدير، ولكن المهم أن تفكر بشكل مختلف وأوسع فيما
يُدخل السرور عليها، فقد تكون زيارتهم لها أحب إليها، أو التنزه معها في
أماكن تعرفها وتحتفظ فيها بذكريات بدلا من أماكن صاخبة تُشعرها ربما
بالغربة، والاستماع إليها وطلب نصيحتها، والالتفاف حولها يمنحها سعادة خاصة
تناسبها، والاستمتاع بوجبة طعام تطهوها بيدها لهم ربما أحب إليها وأسعد من
"إراحتها" ولومها إذا بذلت مجهودا، فهذا اللوم لا يُشعرها بالاهتمام،
وإنما بأنها قليلة الحيلة.
قد يحتاج كبار السن إلى التغيير بين الحين والآخر، ولكنهم بلا شك أكثر احتياجا للتقدير والاهتمام بما لديهم من خبرات وأفكار وتجارب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق